يدلّ البحث في الذاكرة الحديثة والانفعال، وكذلك الفهم الحالي لعواقب الصدمات النفسية الجسدية والجنسية، على أن الاضطرابات النفسية تعبر عن نفسها في الحياة الفعلية، والمتمثلة في الجوانب العقلية والأحاسيس والخبرات الجسدية والسلوك الحركي. هذا ما يؤكده الاهتمام المتزايد من العلماء والأطباء النفسيين في طرق العلاج تلك، التي تأخذ في الإعتبار المعلومات عن الجسم والتعامل معه بطريقة منهجية منظمة. (Damasio 1999، van der Kolk 1996).
كما يمكن فهم العديد من المشاكل النفسية نتيجة لعجز في إشباع الاحتياجات الإنمائية الأساسية في مرحلة الطفولة المبكرة. إن الحاجة إلى الرعاية والدعم والحماية وحدود العالم، لا بد من الوفاء بها بشكل ملموس في الوقت المناسب، ومن حق القرابة، العلاقات – من ذوي الخبرة في جميع المناسبات والتفاعلات أن يقدموا المساعدة لهؤلاء الأفراد الذين يعانون من مشكلات نفسية وجسدية من أجل الوصول إلى التكيف أو التوافق السليم وخصوصاً ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من مشكلات ذات طابع جسدي. هذه الأحداث التفاعلىة لا تحدث ألم للطفل فقط بل وللمحيطين به. والتي تشمل الآثار النفسية والجسدية ثلاثة مستويات: البيولوجية (الجسدية)، والنفسية، والوجودية.

تعريف العلاج النفسي الحركي

يعرف العلماء العلاج النفسي الحركي بأنه “أحد وسائل العلاج الطبيعي، ويعني الاستخدام العلمي لحركات الجسم وشتى الوسائل المختلفة المبنية على أسس من علم التشريح والفسيولوجيا والعلوم التربوية والنفسية لإغراض وقائية وعلاجية بهدف المحافظة على العمل الوظيفي وإعادة تأهيل النسيج قبل وإثناء وبعد الإصابة، وبذلك فإن العلاج الحركي يعتمد وسيلة هي الأكثر فعالية بين وسائل القوى الطبيعية (الحركة) من أجل الوقاية والعلاج والتأهيل عند الإصابة أوالمرض أو الإعاقة “.

ويتمثل العلاج الحركي في التمرين العلاجية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وهي مرتبطة بعملية الانقباض العضلي، وتعد من أهم فروع العلاج الطبيعي التي تستخدم في علاج وتأهيل الإصابات الرياضية ومنع الإصابة، ولها دور كبير في الحفاظ على صحة اللاعب خلال مرحلة النقاهة. ويعد العلاج الحركي من أكثر وسائل العلاج الطبيعي فعالية إذا ما استخدم بشكل منظم ودقيق وبتوافق مع الخلل الوظيفي للجسم، حيث يعتمد التوافقات النسيجية لأجهزة الجسم كافة، ويعتمد على مفاهيم علم الحركة وقوانينه في بناء الأنظمة العلاجية لاستعاده وتجديد الوظائف الحركية والوصول إلى حالة ما قبل الإصابة أو المرض وتحديد مضاعفات الإعاقة.

إن تقوية العضلات وبلوغ المدى الحركي الطبيعي للمفاصل هو أساس العلاج الحركي، ومن ثم استخدام البرامج الوقائية بحسب نوع الإصابة أو المرض أو الإعاقة، ويكتسب استخدام الحركة أهميته خاصة بعد الاصابة لأن الكتلة العضلية تتأثر بسرعة، حيث إن الألياف الحمراء تفقد صفاتها وتكسب صفات الألياف البيضاء (سرعة التقلص ومطاولة قليلة) مع ضمور عضلي. ومن الجدير بالذكر أن عدم الحركة يقلل من ورود الإشارات العصبية وبنسبة 5- 15%، ويؤدي إلى فقدان الوظائف الطبيعية للمفاصل وضعف الأربطة، بالإضافة إلى إحداث خلل في بعض الأجهزة الوظيفية مثل قلة الحجوم الرئوية التنفسية وزيادة معدل التنفس والنبض (حيث يزداد نبضة واحدة كل يومين عند عدم الحركة).

إنطلاقاً من ذلك، فإن العلاج النفسي الحركي يعمل على معالجة الصعوبات والمشكلات، سواء كان سببها عضوياً أو عصبياً أو نفسياً، عبر تقنيات الاسترخاء العضلي وتأهيل الحركة والتعبير الجسدي أو الفني أو من خلال الأنشطة التي تقوم على الإيقاع واللعب والتوازن والتناسق، وهو استخدام التمارين الموجهة التي تخفف توتر العضلات، ما يعيد التوازن للعضلات وحرية التنقل، وهذا يوفر الأساس الفعلي لحرية التعبير لدى الفرد بطريقة طبيعية وصحية لمعالجة الضغوط الانفعالية.

ويعرّف “فالون” العلاج النفسي الحركي بأنه طريقة علاجية يستخدم فيها المعالج الوعي الجسدي والأنشطة البدنية، وهو حجر الزاوية في النهج الذي تتبعه مستشفيات الأمراض النفسية في برامجها في العلاج والتشخيص لحالات كثيرة من الاضطرابات النفسية والحركية.

ويعد هذا العلاج وسيلة للتعبير عن العلاقة بين الجسد والنفس والروح، ولذلك ينظر إلى الدعم الشامل للأطفال والمراهقين باعتباره جوهر هذا العلاج، ويتم تكييف البرنامج العلاجي بشكل مستمر لنمو الطفل واحتياجاته.

بالنسبة إلى أهداف العلاج النفسي الحركي لذوي الاجتياجات الخاصة، هي:

1- الحفاظ على فعالية الأجزاء غير المصابة في الجسم وإعادة عمل الجزء المصاب إلى مستواه قبل الإصابة .

2- رفع الكفاءة الوظيفية لأجهزة الجسم وتحسين عمل الجهاز الدوري التنفسي لتعجيل الشفاء، لكي يعمل بسرعة من أجل توصيل الدم إلى مكان الإصابة، مما يسهل تغذية الأنسجة المصابة ويرفع درجة حرارتها، الأمر الذي يساعد في التخلص من الألم والتقلص، وزيادة حيوية الأنسجة المصابة.

3- استعادة الوظائف الأساسية للعضو المصاب مثل استعادة الشعور بالإحساس العصبي واستعادة الذاكرة الحركية.

4- رفع مستوى التفاعلات الأيضية التي تساعد في التئام الأنسجة المصابة.

5- منع الالتصاق في الأنسجة الرخوة.

6- تقوية عضلات المنطقة المصابة ورفع كفاءتها حتى لاتتأثر وظائفها (خاصة بعد الجراحة).

7- سرعة التئام الكسور ومنع تيبس المفصل القريب من المنطقة المصابة، ومنع ضمور العضلات خاصة عند الكسور وبعد مرحلة التثبيت.

8- استرجاع مرونة المفاصل ومطاطية الألياف العضلية واستطالتها، وخاصة عند علاج الالتواء والشد العضلي والتمزق، لأن عدم التحريك يؤدي إلى قلة ورود الإشارات العصبية وفقدان وظيفة المفصل الطبيعية مع ضعف الأربطة.

9- الحد من المضاعفات المصاحبة للإصابة أو المرض أو الاعاقة.

10- تحقيق الأهداف التربوية والنفسية بالمشاركة الفعالة للمصاب في العلاج مما يعزز شفائه.

11- له تأثير نفسي ايجابي.

12- يساعد ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من مشكلات حركية.

ويتوجه هذا النوع من العلاج إلى كافة الأعمار على الشكل التالي:

1- التأهيل المبكر وحوافز النفس الحركية.

2- التربية النفسية الحركية، وهي مهمة للاكتساب المدرسي وتتوجه لجميع الأطفال، وهدفها الإحساس بالذات واكتشاف وتوظيف القدرات الجسدية، بالإضافة إلى التعبير عن النفس والتواصل مع الآخرين عبر الجسد.

3- إعادة تأهيل اضطرابات نمو النفس الحركي أو الاضطرابات الحركية المختلفة، وأهمها:

– التأخر في نمو النفس الحركي.

– اضطرابات في النضج وفي تنظيم عملية التوتر.

– اضطرابات في معرفة و/أو إدراك الجسد والتصور الجسدي.

– اضطرابات الشلل الجانبي.

– اضطرابات في تنظيم عمليتي الزمان والمكان.

– عجز في تنسيق النفس الحركي.

– اضطراب في المهارات الحركية.

– الإفراط في الحركة.

– اضطرابات الحركة الكتابية، باستثناء إعادة تأهيل اللغة المكتوبة، كما يساهم العلاج النفسي الحركي في معالجة العجز الفكري واضطرابات المزاج أو الشخصية واضطرابات تنظيم الانفعالات والعلاقات والاضطرابات النفسية والجسدية الخاصة بتصور الجسد. ويعمل المعالج النفسي الحركي مع كافة الأخصائيين، والهدف من ذلك هو التعامل مع الشخص ككل متكامل.

قد يكون من المستحسن أن يكون العلاج النفسي الحركي حينما يكون الشخص الطفل الشاب المعاق لديه صعوبة في تطوير مهاراته الحركية ـ الحسية، والتفاعل مع الآخرين. والأمثلة على هذه الصعوبات يمكن أن تشمل ما يلي:

1- مشكلات في التنسيق الحركي مثل عدم التوازن.

2- صعوبات في السيطرة على العضلات المتوترة. على سبيل المثال التوتر الدائم لدى الأطفال الصم نتيجة لعدم التوازن الناتج عن مشكلات في الأذن الوسطى المسؤولة عن التوازن.

3- صعوبات في القدرة الحركية الدقيقة.

4- صعوبات في الإدراك المكاني والزماني.

5- مشاكل مع الكتابة اليدوية.

 

نشأة العلاج النفسي الحركي

العلاج النفسي الحركي هو علاج حديث النشأة، حيث ظهر هذا المفهوم في بداية القرن مع اكتشافات شيرينجتون، ومن ثم تطور مع فالون الذي ركز على الوحدة البيولوجية والحركية للإنسان، حيث تشكل النفس والجسد وحدة متكاملة، ثم لوحظ أن بعض الصعوبات النفس الحركية ليست ذات منشأ عصبي فقط.

في بلجيكا وهولندا، أصبح العلاج النفسي الحركي نوع من النشاط البدني والعلاج الجسمي، وقد اندمج بشكل جيد في الرعاية الصحية العقلية منذ عام 1965. وعلى النقيض من قبوله في معظم البلدان الأوروبية لم يجد طريقه إلى الأدب الأنجلوسكسوني، فقد أولت الجمعيات العالمية الاهتمام بهذا العلم منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حيث نجد عدداً كبيراً من التخصصات التي أهتمت بالجانب الحسي الحركي في علاج العديد من الاضطرابات النفسية، كما أن منظمة الصحة العالمية قد تبنت هذا الاتجاه في عملها.

والمطلع على مواقع الانترنت، يجد المئات من الأبحاث والكتب التي تحدثت عن هذا العلم، وأهميته في صحة النفسية والجسدية للأفراد، كما يجد الكثير من البحوث التي تحدثت عن تقنيات من علم النفس، مثل الرقص والعلاج المهني والعلاج الطبيعي وعلاج الجسم، لأن الافتراض العلمي في هذه المسألة يؤكد أنه لا يمكننا الفصل بين النفس والجسد. كما لا يتعلق بالرياضة البدنية ولا بأداء عمل محدد، بل بالاستقلال التدريجي لجسد الفرد بمجمله، وباختلاف التمارين والنشاطات التي ليست غاية بحد ذاتها بل وسائل لبلوغ رفاهية جسدية أفضل للفرد واتصال أفضل بينه وبين المحيط.

الدكتور جيلبير المجبّر