اسرائيل تخشى من لعبة الكبار

تسلل الشك الى نفوس الاسرائيليين حول نوايا الأميركيين والروس في حفظ مصالح تل أبيب. لا يقتنعون بجدوى حراك الادارة الأميركية لفرض “صفقة القرن”، رغم الجهود التي يبذلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحفظ مكانة ودور اسرائيل، وإنجاز سلامها الأزلي، من خلال لعب ورقة “صفقة القرن” على الطاولة الاقليمية-الدولية. فمن يؤيدها سالمه ترامب، ومن يعارضها عاداه الرئيس الأميركي. توحي الصحافة الاسرائيلية بأن الإدارة الأميركية فشلت في إقناع الفلسطينيين ودول عربية أخرى بقبول “صفقة القرن”، وهي تستعد لإعادة تقييمه، بعدما لمس صهر ترامب جاريد كوشنر صعوبة بالغة في فرض الرؤية الأميركية على الفلسطينيين والمتعاطفين او الملتزمين بقضيتهم. تشاؤم في تل أبيب، حيال فرض الصفقة، بإعتبار أن الفرصة الآن لن تتكرر، لا على مستوى البيت الأبيض، ولا في وجود صراع ميداني على مساحة الدول العربية، يحرف بوصلة العرب عن فلسطين، ولا في النزاع الإيراني-السعودي.  لكن مفكرين إسرائيليين رأوا في اعلان ترامب لخطة “صفقة القرن” الآن في ظل الظروف الحالية، يعني اعلان وفاة الصفقة، ما يعزز فرص طرح تعديلات عليها، لحين إقناع القيادة الفلسطينية الرافضة للصفقة، لكن تل أبيب تهدد ضمناً الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالدفع لإختيار بديل عنه، كرئيس للسلطة الفلسطينية، في حال بقي موقفه معارضاً لصفقة القرن. اما بالنسبة الى التعديلات التي يمكن طرحها، فتحدثت التقارير عن أن عدم ملامستها لموضوعين أساسيين: القدس وحق العودة، يعني ان الصفقة تولد ميتة، أو يتم اجهاضها قبل الولادة، أو بأبعد تقدير، يطبّق عليها الموت الرحيم.

في كل الحالات، النتيجة واحدة: لا صفقة.

من هنا يتسلل الشك الى نفوس الإسرائيليين حول فرض البيت الأبيض صفقته. ماذا عن موقف الروس، الذين بات لهم اليد الطولى في المنطقة؟.

لعل التعبير الذي استخدمته صحيفة يديعوت احرونوت “الروس والأميركيون يستخدموننا”، هو الاكثر وضوحاً، لم يكتفِ الكاتب بالحديث عن مخاوف الإسرائيليين، بل حاول ضم شعوب المنطقة بحديثه عن الساحة الصغرى في لعبة الكبار، “الكل حجارة شطرنج” في الصراع الحقيقي بين الروس والأميركيين.

اسرائيل، كغيرها، لم تعد القوّة الفاعلة القادرة على صنع الأقدار، فهي رغم كل الدعم الترامبي، تنتظر قمة الرئيسين الأميركي والروسي  في هيلسنكي في 16 تموز، لمعرفة اجوبة على أسئلة جوهرية: “كم سيكلفنا هذا؟. أي، ما هو الثمن الذي سيدفعه: الاميركيون، الروس، الاسرائيليون، الاردنيون والايرانيون”؟.

تبدو عندها ازمة سوريا مجرد تفصيل، وتصفها بالصغيرة، التي ستتأثر بما يتفق عليه الكبار في القمة، لأن المواضيع الكبرى هي الاساس: العلاقات مع الصين، الاتفاق مع كوريا الشماليّة، حلف شمال الأطلسي، الأزمة بين الهند والصين. وترامب وبوتين سيحاولان حلّ هذه الخلافات في ظل استخدام المنطقة كمسرح تنفيذي للعمليات. ومن هنا يبدو الشرق الاوسط مجرّد تفصيل، تخشى فيه تل ابيب من عدم اعتبار تسوية ازمتها اولوية. لأن مستجدات الجنوب السوري، ودخول الروس في الصفقات والمعارك، وتفرج الأميركيين، من دون فرض مطالب اسرائيل في سوريا، كلها مؤشرات توحي بأن اسرائيل ليست في اول الاجندة الأميركية-الروسية. لا بل ان الشرق الاوسط كله يُستخدم كرافعة ضغط لتحقيق انجازات عالمية.

يستند الاسرائيليون، كما توحي صحافتهم، الى ما حلّ بالأكراد، بعدما كانوا تحوّلوا لقوة قاهرة، سرعان ما جرى شطبها من المعادلة الاساسية.

المثال الذي يتخذه اليكس فيشمان واضح: عندما يهاجم الروس في منطقة درعا، يسكت الاميركيون. وعندما تهاجم قوات التحالف، في ذات الايام اياها، القوات المؤيدة للرئيس السوري بشار الاسد التي تقترب من معسكر الجيش الاميركي في منطقة التنف، فان الروس يسكتون.

صار الاسرائيليون يلمسون أن مصالح الأميركيين والروس أهم من مصلحة تل ابيب. ولذلك يرصدون مجموعات محطات: جنوب سوريا في عودته التدريجية الى حضن دمشق، وبدء عودة النازحين التي تعني بداية نهاية الازمة. لقاء بوتين-ترامب، مع ما يستتبعه من ملفات دولية. مسار صفقة القرن، والرفض الفلسطيني الحاسم القبول بالتسوية. التحدي الإيراني لواشنطن ازاء ملف النفط. كلها ملفات إستراتيجية، يحق فيها قول الصحافة العبرية ان المنطقة، بما فيها اسرائيل، مجرد تفصيل في لعبة الكبار.

عباس ضاهر

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …