الانتخابات النيابية تحت المجهر: تدخل دولي ام تضخيم للامر؟

لطالما اعتبر اللبنانيون اي استحقاق يخوضونه اكان رئاسياً ام نيابياً ام بلدياً، بمثابة حرب وليس تنافساً بين مرشحين، وهم يستندون طبعاً الى وقائع تاريخية تلقي بظلالها على حياتهم اليومية، بفعل التخلّي الدولي عنهم منذ عقود طويلة من الزمن، واتفاقات نسجت بين مختلف الدول لافقادهم قدرتهم على خوض حياة يومية عادية كسائر شعوب الدول الاوروبية والغربية وبعض الدول العربية.

اليوم، يتحضر لبنان لخوض غمار انتخابات نيابية غير عادية شكلاً ومضموناً، ان من حيث اعتماد قانون جديد للانتخابات او من حيث المناخ الذي دخل فيه لبنان بفعل اجواء المنطقة ككل، والتغييرات التي حملتها والتي جعلته يتّخذ قرارات لم يعهدها اللبنانيون وبعض الدول الصّديقة والشقيقة من قبل.

اللاعبون الرئيسيّون في المنطقة باتوا معروفين على السياسة اللبنانية، منهم الاعتياديون: الاميركيون، الفرنسيون، السعوديون، الايرانيون، ومنهم الحديثون: الاتراك، الروس، ومنهم المتراجعون بفعل التطورات: السوريون. كل هؤلاءاللاعبين لا يزالون يملكون دوراً يقومون به على الارض اللبنانية، انما باتت نسبته تختلف بطبيعة الحال بسبب الحروب العسكرية والدبلوماسية التي حطّت رحالها في الشرق الاوسط منذ اكثر من سبع سنوات.

ولكن، هل تحتمل الانتخابات النيابية بالفعل تدخلات على مستوى هذه الدول، ام ان التلميح الى ذلك هو مجرد تضخيم للامر لشد عصب الناخبين لحملهم على النزول والاقتراع بكثافة؟ لا شك ان التحركات العلنيّة والسريّة للدول تثير التساؤلات والشكوك. فليس من البريء خروج سفراء الدول التي ذكرناها آنفاً في جولات على المناطق اللبنانيّة، كما ليس بريئاً ايضاً اطلاقهم مواقف معيّنة تطال الواقع اللبناني سياسياً وامنياً واقتصادياً. ولا يمكن ايضاً اغفال الطريقة القديمة-الجديدة لتعاطي الدول الكبيرة مع دول متعثرة اقتصادياً ومالياً والتي غالباً ما تربط مساعداتها وتقديماتها بشروط معيّنة لا تقتصر كلها على المصالح الاقتصادية.

ولكن، من جهة اخرى، لا يجب اغفال ان المنطقة دخلت عصراً جديداً تغيّرت معه المعطيات، وبات دور اللاعبين مختلفاً حتماً، فلم يعد السوريون مثلاً فاعلون على الساحة ولو ان وجودهم بقي معنوياً ومن خلال الاعداد الهائلة للنازحين على الارض اللبنانية، الا ان تشرذمهم وانقسامهم ورفع الغطاء الدولي عنهم، جعل نفوذهم يتراجع بشكل كبير، وهذا التراجع ينطبق ايضاً على الدور السعودي الذي يعاني بفعل اضطراب الوجهة السياسية التي لم تتحدد بعد من قبل القيادة السعودية، وهي تحاول تحديد البوصلة ولو ان الخط العريض المعلن هو مواجهة ايران. الاميركيون والروس والاوروبيون يسيرون على مسارات متوازية لا تلتقي بالنسبة الى السياسة المتبعة في المنطقة بشكل عام وفي سوريا خصوصاً، وانعكاس اختلافهم هناك يترجم في لبنان عبر مواقف متناقضة. اما الاتراك والايرانيون فلهم مقاربة مختلفة، فالاتراك لم ينجحوا في فرض انفسهم على الساحة اللبنانية او استعادة ما خسره السعوديون من نفوذ، فيما يعتمد الايرانيون على علاقتهم بحزب الله وبعض الاطراف الشيعيّة الرئيسية، ويرتاحون الى التحالف مع هؤلاء من اجل عدم الدخول بشكل مباشر على الخط، بل يتأكدون اقله انه لن يكون هناك من تحرك ضدّهم او يستهدف دورهم في المنطقة انطلاقاً من لبنان.

وعلى اي حال، لا يمكن الاعتقاد بأن الدول الكبيرة راغبة في كسب مقعد نيابي في لبنان، لانه للاسف، ليس لبنان لاعباً على الطاولة الاقليمية والدولية، وليس بمقدور نوابه او وزرائه ان يغيّروا شيئاً في الصورة السياسية، ولو انه عسكرياً وامنياً يمكنهم القيام بالكثير وقد اثبتوا ذلك في اكثر من مناسبة، لكن التلويح بأن هذه الدول ترغب في كسب مقعد نيابي في لبنان، هو امر مبالغ فيه، وكل ما في الامر هو اهتمام دولي طبعاً بالابقاء على بعض حضورهم الرسمي من خلال بعض اللبنانيين الذين سيصلون حتماً الى البرلمان ومجلس الوزراء، ولن يتغيّر “الستاتيكو” ولو تغيّرت الوجوه…

 

طوني الخوري

شاهد أيضاً

لبنان بين داريوس والإسكندر

منذُ نحوَ ألفَين وخمسِمائةِ سنةٍ والفُرسُ طرفٌ أساسيٌّ في غالِبيّةِ حروبِ وثوراتِ فينيقيا والشرقِ. إمبراطوريّةٌ …