“الانتخابات” في “دائرة الخطر”… بين الحقيقة والتمنيات!

على بعد ثلاثة أسابيع فقط لا غير من موعد الانتخابات النيابية المقرّرة في السادس من أيار المقبل، وحوالى أسبوعين فقط على اقتراع المنتشرين في دول الاغتراب في 27 و29 نيسان الجاري، وعلى الرغم من إتمام كلّ الاستعدادات اللوجستية والسياسية لها، بعدما طغت على كلّ ما عداها من أحداثٍ وتطورات على أهميتها، يبدو أكثر من مستغرب أن تكون فكرة “تطيير” الانتخابات لا تزال تُبحَث بجدية في الكواليس السياسية.

وإذا كان بعض “أقطاب” السياسة في لبنان يجاهرون منذ أشهرٍ طويلة بأنّ الانتخابات لن تحصل لألف سبب وسبب، فإنّ “المفارقة” التي سُجّلت خلال الأيام الماضية تمثّلت في “رهان” البعض على الضربة الغربية على سوريا، على اعتبار أنّها ستشكّل “الذريعة المباشرة” لإلغاء الانتخابات، بل إنّ هناك من يقول إنّه في وقتٍ كان قادة العالم يناقشون الخطط العسكرية، كان البعض في لبنان يبحث “إخراج” قانون التمديد…

مواجهة مفتوحة؟!

على طريقة مصائب قوم عند قوم فوائد، استبشر بعض اللبنانيين، ممّن يخشون الانتخابات النيابية، ولم يستوعبوا القانون الانتخابي وتعقيداته بعد، بالسيناريوهات التي تمّ تداولها حول الضربة العسكرية على سوريا، بما فيها حتى إمكان أن تجرّ المنطقة إلى حربٍ لا تُحمَد عقباها، على اعتبار أنّ مثل هذا الأمر سيشكّل “الزلزال” الذي اشترطه البعض لتطيير الانتخابات النيابية.

صحيحٌ أنّ كلاماً من هذا القبيل ينطوي ظاهرياً على مبالغةٍ مفرطةٍ، إلا أنّ الصحيح أيضاً أنّ الكثير من الأروقة السياسية تداولته خلال الأسبوع الماضي وبجديةٍ كبيرةٍ، حتى أنّ “محدوديّة” الضربات الجوية الأميركية والفرنسية والبريطانية فجر السبت على سوريا لم تحدّ من وقعه، إذ ذهب كثيرون إلى القول إنّ ما حصل ليس سوى “البداية”، وستكون له تداعيات ستشهدها المنطقة تدريجياً.

ولعلّ نعي الكثير من القوى السياسية مبدأ “النأي بالنفس” على وقع التطورات السورية يصبّ في هذه الخانة، بين القائلين بأنّ لا نأي بالنفس عن استهداف عاصمة عربية، والقائلين بأنّ لا نأي بالنفس في القضايا الإنسانية الملحّة، علماً أنّ كثيرين تخوّفوا أن يُجَرّ لبنان من جديد إلى قلب المواجهة المفتوحة، خصوصاً في ضوء المواقف التي صدرت عن الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله والتي أوحت بوجود “تصعيدٍ” في الأفق، خصوصاً لجهة حديثه عن استهداف قاعدة التيفور العسكرية في سوريا، وقوله إن الإسرائيليين ارتكبوا بهذا العمل “حماقة”، على اعتبار أنّ ما قبلها ليس كما بعدها.

وعلى الرغم من أنّ “حزب الله” بالتحديد يبدو الأكثر “نشاطاً” انتخابياً في هذه المرحلة، في ظلّ تخصيص أمينه العام لخطاباتٍ مطوّلة بالجملة لمختلف الدوائر الانتخابية، وفي ظلّ ما يُحكى عن أنّه ينتظر الاستحقاق لإعادة فرز الخريطة السياسية بما يخدمه سياسياً، لم يتردّد البعض في القول أنّ “الحرب المفتوحة” ستفرض على الحزب تغييراً في “الأولويات”، في ظلّ تشعّب المسؤوليات الملقاة على عاتقه، بين الميدان السوري، والتأهّب الحدودي المستمر، والمعركة السياسية غير المسبوقة التي يخوضها من بوابة الانتخابات.

أمنياتٌ لن تتحقّق

وإذا كانت هذه السوداوية المتعمّدة من الجانب اللبناني في مقاربة الأحداث السورية الملتهبة وتداعياتها على الاستحقاق الانتخابي المرتقب استمرّت، على الرغم من أنّ “قطوع” الضربة الغربية على سوريا مرّ في الظاهر، بل إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أعلن أنّ “المهمّة أنجزت”، بما يعني قطع الطريق على “تتمّات” له في الوقت الراهن على الأقل كما رجّح كثيرون في اللحظات الأولى، فإنّ عوامل كثيرة تدفع إلى الاعتقاد بأنّ الحديث غير الجديد عن “تطيير” الانتخابات لا يعدو كونه “أمنيات” سيبقى البعض متمسّكاً بها حتى اللحظة الأخيرة.

وفي حين تبقى الخشية مشروعة من “طابور” خامس، أو ربما أول، يمكن أن يسعى لافتعال المشاكل الأمنية للتأثير على الانتخابات، يبقى الأكيد أنّ “مظلة الأمان” التي نعم بها لبنان على مدى السنوات الماضية لا تزال موجودة وتتمدّد، وهي ستحمي الاستحقاق الانتخابي المطلوب دولياً أياً كانت نتائجه، وما المؤتمرات الدولية المتنقّلة والمخصّصة لدعم لبنان من مختلف النواحي، عسكرياً وأمنياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً، سوى الدليل الساطع على ذلك. وثمّة من يقول إنّ “ورقة النازحين السوريين” قد تكون كلمة السرّ خلف كلّ ذلك، على اعتبار أنّ الدول الغربية تتوجّس من تداعيات أيّ توتيرٍ ميداني على واقع النازحين واللاجئين، خشية أن تصبح مضطرة إلى تقاسم كأس استقبال النازحين مع لبنان، وهي تفضّل إعطاءه “المسكّنات” لا أكثر، لإبقاء الوضع على ما هو عليه حتى إشعارٍ آخر تقتضيه الحرب السورية المستمرّة في الجوار اللبناني. وانطلاقاً من ذلك، كان هناك حرصٌ لافتٌ من قبل عواصم القرار ما قبل الضربة الغربية على سوريا على التأكيد أنّ أيّ تصعيدٍ سيكون محصوراً في سوريا، ولن يطال لبنان، بأيّ شكلٍ من الأشكال.

وانطلاقاً من كلّ هذه التطمينات، يعتبر كثيرون أنّ الانتخابات النيابية “محصّنة” أمنياً، تماماً كما هي محصّنة سياسياً، على اعتبار أنّ ورقة “التمديد”، ولو كان جميع الفرقاء يتمنونها من دون استثناء، أملاً بتطيير قانون الانتخاب معها، تبقى خطاً أحمر لا يجرؤ أحد على المساس به أو حتى الاقتراب منه. وبالتالي، فإنّ كلّ ما يروّج عن إلغاء للانتخابات أو تأجيلٍ لها لهذا السبب أو ذاك لا يعبّر سوى عن أمنيات مستحيلة التحقق في ظلّ المعطيات الحالية، خصوصاً أنّ القادرين على التفريط بها ليسوا مستعدّين لذلك، وعلى رأس هؤلاء “حزب الله” الذي يبقى من أكثر المستفيدين منها، رغم كلّ شيء، و”تيار المستقبل” الذي بات يعتبر أنّ عدم إجراء الانتخابات، أياً كانت أضرارها عليه، سيشكّل “انتكاسة” يتحمّلها رئيس الحكومة سعد الحريري، قبل رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي لا يبدو في “قفص الاتهام” على هذا الصعيد، بعكس “الشيخ سعد”.

شاغل الدنيا…

على الأرجح، لن يتوقف الحديث عن “تطيير” الانتخابات، ليس حتى ليلة الانتخابات، بل حتى ما بعد فتح صناديق الاقتراع، لأكثر من سبب وسبب. البعض قد يعتبر مجرّد الحديث عن هذا الاحتمال “ضغطاً” يمكن أن يؤدّي إلى تحقيق أهدافه، والبعض الآخر يخشى ويتوجّس بكلّ بساطة، انطلاقاً من التجارب السابقة وغير المشجّعة.

لكنّ الأكيد أنه، وبموازاة كلّ هذا الكلام، سيستمرّ الشأن الانتخابي هو شاغل الدنيا والناس في لبنان في الأسابيع الثلاثة المقبلة، واقعٌ يوحي بأنّ المعركة حاصلة أياً كانت الظروف، بل إنّ الحديث الجدي بدأ يناقش مرحلة ما بعد الانتخابات، من تشكيل الحكومة الجديدة، وتوزيع الحقائب وما سواها، وهذا إن دلّ على شيء، فعلى تجاوز الاستحقاق بحدّ ذاته، على اعتباره “تحصيلاً حاصلاً”، بمجرياته وحتى نتائجه، ونقطة على السطر…

 

حسين عاصي

شاهد أيضاً

بماذا انذرت موسكو تل أبيب؟

هي رسالة إسرائيلية واضحة، وصلت الى موسكو، لا تقبل التأويل، ولا التفسير، ولا التبرير. تل …