التحالفات الانتخابيّة اللبنانيّة لم تُحسَم بعد و”الخماسيّ” غير قابل للحياة…

رغم أنّ العدّ العكسي للانتخابات النيابية المنتظرة في شهر أيار المقبل قد انطلق عمليًا، ورغم أنّ الماكينات الانتخابية قد بدأت فعليًا بالعمل، وسط توقّعات بأن تبدأ التحركات الميدانية مع بداية العام الجديد، فإنّ صورة التحالفات الانتخابية لا تزال رماديّة، ضبابيّة، ملتبسة، وأبعد ما تكون عن الوضوح والحسم، بل إنّها تبقى مؤجّلة ربما بانتظار ربع الساعة الأخير السابق للاستحقاق.

وفي وقتٍ كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن حلفٍ خماسيّ بدأ بالتبلور، خصوصًا في أعقاب عودة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى بيروت وانتهاء أزمة استقالته من الرياض، وهو ما عزّزه كلام الحريري نفسه عن المعركة التي ستُخاض بين خطين، غابت عنهما القضايا الاستراتيجية المعتادة، تشير كلّ المُعطيات إلى أنّ مثل هذا التحالف غير قابل للحياة، ولو  شكّل مصلحةً جوهريّة لجميع أركانه، كما يبدو الحال اليوم…

 

مؤشراتٌ آنيّة

توحي كلّ المؤشّرات السياسية الآنيّة أنّ التحالف الخماسيّ، أو ما يفضّل البعض بتسميته بتحالف “قوى السلطة”، والذي يشمل كلاً من “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر” و”حزب الله” و”حركة أمل” و”الحزب التقدّمي الاشتراكي”، ويستثني “القوات اللبنانية”، هو الأكثر ترجيحًا عشيّة الانتخابات النيابية المقبلة، وبالنظر إلى الظروف السياسية السائدة حاليًا.

ولعلّ كلام رئيس الحكومة سعد الحريري الذي صنّف الانتخابات المقبلة بـ”المصيرية”، واعتبر أنّها ستُخاض بين خطين، “من يريد الاستقرار والأمن والاقتصاد، ومن يريد فقط الصراخ والمزايدة على سعد الحريري”، يأتي ليعزّز هذه الفرضيّة، خصوصًا أنّه غيّب القضايا الاستراتيجية التي لطالما كان الاصطفاف الانتخابي يجري على أساسها، من سلاح “حزب الله” إلى قضايا الداخل والإقليم الملتهب. وإن دلّ هذا الأمر على شيء، فعلى أنّ التحالفات التي ستخاض الانتخابات النيابية على أساسها لن تشبه أبدًا تلك التي خيضت الانتخابات النيابية الأخيرة في العام 2009 على أساسها، على الأقلّ من ناحية “تيار المستقبل”، فضلاً عن وجود قناعة راسخة لدى جميع الأفرقاء بأنّ التحالفات السياسية شيءٌ والتحالفات الانتخابية شيءٌ مختلفٌ كليًا، خصوصًا في ظلّ قانون الانتخاب الجديد، الذي أفرز معادلاتٍ جديدةٍ مختلفةٍ عمّا كان سائدًا في السابق.

وربطاً بذلك، فإنّ العلاقات السياسية المتشابكة بين الأفرقاء في هذه المرحلة تتوافق أيضًا مع هذه المقاربة، إذ إنّ العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل” تشتدّ متانةً على حساب العلاقة بين الأخير و”القوات اللبنانية”، التي تبدو في أسوأ أحوالها، لدرجة أنّ اللقاء المنتظر بين الحريري ورئيس حزب “القوات” سمير جعجع لم يحصل منذ عودة الحريري إلى بيروت حتى تاريخه، كما أنّ اللقاءين اللذين عقدا في اليومين الماضيين في دارة النائب وليد جنبلاط في كليمنصو صبّا أيضًا في خانة فرضيّة التحالف “الخماسي” نفسها وضرورة انخراط “البيك” فيه نظرًا لخصوصيّة الجبل، رغم أنّ الأخير لا يزال يصرّ على الدعوة إلى ائتلافٍ جامعٍ لا يعزل أحدًا في الجبل، وهو ما يؤكده المقربون منه جهارًا.

 

لعبة خطرة…

لا شكّ أنّ كلّ هذه المؤشرات لا تنطلق من عبث أو من فراغ، بل من معطيات ووقائع تؤكد أنّ التحالف الخماسيّ قد يشكّل مصلحة فعليّة لأركانه الخمسة، ولا سيما رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي يعتقد أنّه يستطيع عبر الانخراط به التقليل من حجم الأضرار الحتميّة على كتلته، التي لا يخفى على أحد أنّ حجمها سيتقلّص بشكلٍ كبير بنتيجة الانتخابات المقبلة، بعد أن كانت الأكبر على الإطلاق بموجب انتخابات العام 2009. إلا أنّ الحريري يدرك أنّ تحالفه مع “حزب الله”، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، سيكون بمثابة لعبةٍ خطرة لن يستطيع تحمّل تبعاتها، خصوصًا في ضوء ما يُحكى عن أنّ السعودية بدأت تصبّ اهتمامها نحو الانتخابات المقبلة وعينها على منع “الحزب” من تحقيق الانتصار الذي يطمح إليه.

وبالتالي، فإنّه لن يكون من السهل على الحريري، الذي يسعى لمعالجة ذيول أزمة استقالته ومن ثمّ الرجوع عنها، وما يُحكى عن تراجع علاقته مع دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، أن يكون في التحالف المضاد للرغبات السعودية، ولو كان مقتنعًا تمام الاقتناع بأنّ هذا التحالف وحده يمكن أن “ينقذه” من الناحية الشعبية. ولعلّ ما يزيد من “حساسيّة” موقف الحريري على هذا الصعيد يتمثّل في المعلومات التي يتمّ تداولها عن جبهة جديدة شبيهة بـ”14 آذار” بدأ العمل على إنشائها في مواجهة حلف “أركان السلطة”، ولو ضمّ الحريري نفسه، وستشمل “القوات” و”الكتائب” وغيرهما ممّن كانوا يُعرَفون بـ”مستقلي 14 آذار”.

أكثر من ذلك، وأبعد من كلّ العناوين السياسية وتفاصيلها، هناك من يقول بأنّ “التحالف الخماسي” ليس واقعيًا أصلاً من الناحية التقنية، باعتبار أنّ لا دوائر فعليّة تجمع مكوّناته الخمسة، وبشكل خاص “تيار المستقبل” و”الثنائي الشيعي”، إلا في ما ندر، ما يجعل أضرار انخراط “المستقبل” في تحالف مع الثنائية الشيعية مضراً أكثر ممّا هو مفيد، لانعدام المصالح العملانيّة المشتركة. وانطلاقاً من ذلك، يروّج البعض لمقولة استبدال التحالف الخماسيّ بـ”تحالفات ثنائية”، على طريقة التحالفات “على القطعة” التي روّج لها الكثيرون منذ إقرار قانون الانتخاب، وهي تحالفاتٌ تستمدّ قوتها من القانون نفسه، وطريقة توزيع الدوائر الانتخابية، ويُعتقد أنّ “التيار الوطني الحر” يسعى لتكريس هذه الصيغة بالتحديد، إذا لم ينجح بفرض التحالف بشكلٍ مُطلق، خصوصًا أنّه سيكون المستفيد الأكبر منها، لأنّها ستسمح له بالتحالف مع جميع أركان “الخماسيّ”، ولو بشكلٍ منفصل.

 

القطار انطلق!

انطلق قطار الانتخابات فعليًا، وهو لا شكّ سيشكّل العنوان الأساسيّ لكلّ تقلّبات السياسة وشجونها في المرحلة المقبلة، ولا سيما مع مطلع العام الجديد.

انطلق قطار الانتخابات، ومعه سينطلق قطار التحالفات، في ظلّ إجماعٍ على أنّ كلّ ما يُحكى عن تحالفاتٍ خماسيّة وغير خماسيّة لا ينطلق من وقائع، وهو على الأرجح سيبقى حبرًا على ورق.

وليس مبالَغًا به القول أنّ حابل التحالفات لن يُعرَف من نابلها حتى وقتٍ بعيد، بل هو قد يخضع لابتزازٍ من هنا وضغطٍ من هناك، حتى تتّضح صورته النهائيّة…

 

 

شاهد أيضاً

هل سيعود عناصر حزب الله من سوريا الى لبنان؟

ترك الكلام الذي اطلقه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في اطلالته الاخيرة، …