الجلسة النيابية التشاورية “بدعة” جديدة بلا نتائج؟!

لم يطرأ أيّ جديد على مسألة تأليف الحكومة خلال الساعات الماضية، بل الأحرى أنّ أيّ جديدٍ لم يطرأ منذ اليوم الأول لتكليف رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة، بدليل أنّ العُقَد لا تزال نفسها، ولم تُرصَد أيّ “حلحلة” على خطّ أيّ منها، في ظلّ استمرار التراشق الكلامي العلني بين مختلف الأفرقاء، مصحوباً برفع الأسقف ورفض التنازل مهما كان الثمن.

وفي الوقت الضائع بانتظار “كلمة سرّ” ما يمكنها أن تعدّل في الأمزجة الحكوميّة، يستمرّ رمي الأوراق وابتكار الأفكار أو “البدع” الجديدة، آخرها فكرة جلسة تشاورية نيابية غير رسمية قال رئيس المجلس النيابي نبيه بري إنّه قد يدعو إليها خلال الأيام المقبلة في حال لم يلمس أيّ تقدّم، فكرة انقسمت الآراء حولها على جري العادة بين مرحّب ومعارض، حتى داخل الصفّ الواحد. لكن، ما محلّ مثل هذه الجلسة من الإعراب؟ وما الذي يمكن أن تقدّمه عملياً على خط تأليف الحكومة؟.

 

ضغط معنويّ

ليست المرّة الأولى التي يختار فيها رئيس المجلس النيابي نبيه بري الدخول على خط تأليف الحكومات بعدما يلمس فيها تعثّراً أو مراوحة، بل يُسجَّل له أنّ ما يصطلح على تسميتها بـ”أرانبه” كانت دائماً جاهزة للدخول في الوقت المناسب لاجتراح الحلول وتقديم التسهيلات. إلا أنّ بري حتى الآن يكتفي، بنظر كثيرين، بـ”التفرّج” على اعتبار أنّه قام بما عليه، خصوصاً أنّ العقد التي تحول دون تأليف الحكومة ليست لديه، بل لدى الأفرقاء الآخرين، علماً أنّ الحصّة الشيعية وحدها في الحكومة محسومة، نتيجة الاتفاق بين “حزب الله” و”حركة أمل”.

وسواء كان بري قادراً على لعب دورٍ مسهّل أو ميسّر على خط العقد الأخرى، بما لديه من “مونة” لدى العديد من الحلفاء والأصدقاء، أو أنه غير قادر، أو ربما غير راغب بذلك، فإنّ الرجل طرح خلال الأيام الماضية فكرة جديدة قال إنّه قد يعمد إلى ترجمتها الأسبوع المقبل، بالدعوة إلى جلسة نيابية صنّفها في الإطار “التشاوري”، وأوحى أنّ الهدف منها سيكون الحثّ على الإسراع بتأليف الحكومة، وتحمّل جميع الأفرقاء مسؤولياتهم.

لا شكّ أنّ مثل هذه الجلسة، إن عُقِدت، لا تدخل ضمن إطار الجلسات الملزمة للمجلس النيابي، خصوصاً أنّ المجلس بهيئته العامة غير قادر على الانعقاد حالياً نظراً لوجوده خارج عقده التشريعي العادي، ويمكن أن يستمرّ في هذه الحال حتى أوّل ثلاثاء بعد 15 تشرين الأول المقبل، تاريخ بدء عقده التشريعي العادي الثاني، إلّا إذا فتحت له دورة تشريعية استثنائية، يتوافق عليها رئيسا الجمهورية والحكومة، أو إذا بادرت الأكثرية المطلقة من النواب الى الطلب من رئيس الجمهورية فتح دورة استثنائية.

وانطلاقاً من ذلك، فإنّ الهدف من الجلسة، وفق ما يخطط لها بري، هو “الضغط المعنوي” على المعنيّين بتأليف الحكومة ليس إلا، لإنجاز المهمّة في أسرع وقتٍ ممكن، من دون البقاء أسرى المراوحة والمماطلة الحاصلتين حالياً، وكأنّ لا شيء مستعجلاً أو طارئاً يحتّم وضع حدٍ للسجالات والجدالات الدونكيشوتية والانصراف إلى العمل الجدّي، ولو تطلّب وضع بعض “المعطّلين” أمام الأمر الواقع.

وإذا كان البعض يعتبر أنّ البرلمان معنيٌ بكل ذلك، كون الحكومة المرتقبة لن تكون سوى “نسخة مصغّرة” منه انطلاقاً من التوجه لتأليف “حكومة وفاق وطني تعكس نتائج الانتخابات النيابية”، ثمّة من يرى أنّ بري يريد أن يوجّه رسالة إلى من يعنيه الأمر من وراء هذه الجلسة، بأنّ المجلس بدوره “مشلول” بشكل أو بآخر نتيجة التأخير الحاصل في تأليف الحكومة، حتى لو لم يتخطّ المهل المعتادة على هذا الصعيد، هو الذي لم يعقد حتى الآن سوى جلستين انتخابيتين متواضعتين.

ريبة “حريريّة”؟!

هكذا، ينظر المؤيدون إلى الجلسة “التشاورية” التي يزمع رئيس المجلس الدعوة إليها خلال الأيام المقبلة في حال لم يلمس تقدّماً، وهو أمرٌ أكثر من متوقع، على اعتبار أنّ عملية تأليف الحكومة “تجمّدت” بفعل سفرٍ جديدٍ لرئيس الحكومة المكلف، سيتبعه سفر رئيس “التيار الوطني الحر” وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، على أنّ قوتها “معنوية” بالدرجة الأولى، من باب الضغط على المعنيّين بالتأليف، لعدم المماطلة أكثر.

لكن في مقابل هذه النظرة، ثمّة وجهة نظر أخرى تنطوي على “ريبة” من الجلسة، خصوصاً في دائرة رئيس الحكومة المكلف، بدأت تُترجَم خلال الساعات الأخيرة من خلال الحديث عن “مساعٍ” لدعوة بري لصرف النظر عنها، وهو ما أوحى به بشكلٍ أو بآخر كلام رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بعد زيارته بري في عين التينة، ولو تجنّب التعبير صراحةً عن موقفه منها خلال حديثه إلى الصحافيين.

وتنطلق وجهة النظر هذه من “هواجس” لدى الحريري وفريقه من الإيحاء وكأنّ “التقصير” يأتي من جانبه في التأليف، في حين أنّ الرجل بات كمن “لا حول ولا قوة له”، في ظلّ العقد “المستعصية” التي تحيط به من كلّ حدب وصوب، والتي فاقم منها إعلان تكتل “لبنان القوي” والوزير باسيل أنّ المسألة ليست لديه، على الرغم من أنّ القاصي والداني يعلم أنّ كلّ العُقَد، من المسيحية إلى الدرزية وحتى السنية، مرتبطة به بشكلٍ أو بآخر.

ولا يتردّد البعض في الربط بين هذه “الريبة الحريرية” إن صحّ التعبير، من جلسةٍ “تشاورية” غير رسمية ولا ملزمة، بل لا محلّ لها من الإعراب ربما، و”الريبة” من “الاجتهادات” المتزايدة هنا وهنالك حول صلاحيات رئيس الحكومة المكلف، تارةً على خط الحديث عن مهلة التكليف وصولاً إلى مجاهرة البعض بقرب “نفادها”، وتارةً أخرى عبر سحب “حصرية” التأليف من يده، وتصويره وكأنّه “ملحق” برئيس الجمهورية، الذي يصدر المراسيم بالاتفاق معه وفق الدستور، لا العكس.

مقاربة جديدة…

سواء عُقِدت الجلسة “التشاورية” أم لم تُعقَد، فالأكيد أنّها ستكون جلسة “رمزية”، تهدف إلى دقّ جرس الإنذار مجدّداً، لأنّ التأخير بتأليف الحكومة، له تداعياتٌ سلبيّة على الواقع العام للبلاد، خصوصاً من الناحية الاقتصادية، في ظلّ انتظار تأليف الحكومة، لترجمة الاتفاقات التي تمّ التوصل إليها أخيراً، خصوصاً في مؤتمر سيدر.

وإذا كان صحيحاً أنّ هذه الجلسة، حتى لو عُقِدت، لن تخترع البارود ولن تخرج بأيّ نتائج فعلية، باعتبار أنّ “الضغط المعنوي” لم يعد منتجاً في لبنان، فإنّ الصحيح أيضاً أنّ المطلوب مقاربة جديدة من أركان الحكم، على اختلافهم، تؤدي إلى إعادة النظر بمقاربة تأليف الحكومة ككلّ، منعاً لخروج “اجتهادات” تقول بأننا لا نزال ضمن “المهلة المعقولة” نسبةً إلى التجارب المحلية السابقة، في حين أن تأليف الحكومة لا يستغرق في معظم دول العالم أكثر من ساعاتٍ معدودات…

 

 

حسين عاصي

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …