“الجمهورية القوية” في وجه “لبنان القوي”…

قبل ساعاتٍ من “الصمت الانتخابي”، فاجأ رئيس “التيار الوطني الحر” وزير الخارجية جبران باسيل الأقربين والأبعدين بهجومٍ من العيار الثقيل استهدف رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، داعياً إياه إلى وقف “رمي رصاص الاغتيال السياسي عليه”.

كانت هذه “القنبلة” برأي كثيرين بمثابة “رصاصة الرحمة” على “تفاهم معراب” الشهير بين “التيار” و”القوات” الذي بدا واضحاً أنّه يترنّح منذ أشهر، وتحديداً منذ ما بعد تشكيل الحكومة، وصولاً إلى التحالفات الانتخابية ومستلزماتها. إلا أنّ “القواتيين” التزموا الصمت، أقلّه بانتظار الانتخابات وما يمكن أن تفرزه.

خلال اليومين الماضيين، يمكن القول إنّ الردّ “القواتي” بدأ عملياً، من “نشوة” الانتصار غير المسبوق، إلى الإيحاء المتعمّد بـ”الحيثية الشعبية المتساوية”، مروراً بتسمية التكتل “القواتي” بتكتل “الجمهورية القوية”، تسمية رمزيّة ومعبّرة تضعه في مواجهة مباشرة مع تكتل باسيل، “لبنان القوي”. فهل بات بالإمكان القول، بكلّ ثقة، إنّ زمن “تفاهم معراب” ولّى؟!.

“الرابح الأكبر”؟!

إذا كان كثيرون ردّدوا قبل الانتخابات أنّ “ما قبل السادس من أيار ليس كما بعده”، في مسعى للتأكيد على طبيعة الاستحقاق “المفصليّ والمصيريّ”، فإنّ هذه المعادلة تبدو أكثر من صائبة بالنسبة إلى “القوات اللبنانية”، التي حقّقت ما لم يحقّقه غيرها، وضاعفت حجم كتلتها النيابية، ووسّعت انتشارها ليشمل معظم الدوائر اللبنانية، باستثناء تلك الجنوبية.

هو انتصارٌ لا شكّ حقّقته “القوات” في الانتخابات لا يمكن لأحدٍ نكرانه، فعلى الرغم من أنّ معظم الفرقاء أعلنوا أنفسهم “منتصرين” رغم الخسائر التي تكبّدوها، كما فعل مثلاً “تيار المستقبل” الذي تقلّص حجم كتلته بشكلٍ واضح وإن بقيت الأكبر خصوصاً على الساحة السنية، و”التيار الوطني الحر” الذي خسر العديد من المقاعد بموجب القانون النسبيّ، وإن بات يملك مع الحلفاء “التكتل الأكبر” في المجلس النيابي، لا مبالغة في القول إنّ “القوات” تستحق لقب “الرابح الأكبر” في هذه الانتخابات، أو بالحدّ الأدنى “مفاجأتها الأكبر”.

وإذا كان مسلّماً به انطلاقاً من ذلك أنّ “القوات” كرّست نفسها من خلال هذه الانتخابات “قوة وازنة” من دون منّة من أحد، ومن دون أن تضطر إلى نسج تحالفاتٍ عصيّة على الفهم والاستيعاب كما فعل غيرها تحت عنوان “المصلحة الانتخابية”، فإنّ الأكيد أنّ عوامل عديدة أسهمت في تحقيق ذلك، أولها القانون الانتخابي بطبيعة الحال الذي ساعدها في “الخرق” في مناطق كان مستحيلاً عليها دخولها بموجب القوانين الأكثرية المتعاقبة، ولكن أيضاً “الاستراتيجية” التي قاربت من خلالها الاستحقاق، سواء في نسج التحالفات المنسجمة، أو في اختيار المرشحين، نقاط قوتها، والأهمّ في عدم “المبالغة” في الثقة بالنفس، وبالتالي توزيع أصواتها على عدد من المرشحين بما يفوق قدراتها، ويهدّد حضورها.

أين “أوعا خيّك”؟!

عملياً، حقّقت “القوات” ربحاً صافياً لا غبار عليه في الانتخابات، لتبدأ الأسئلة الكبيرة عن “آليات ترجمة” ما تحقّق على الأرض، خصوصاً على صعيد العلاقة بينها وبين “التيار الوطني الحر”، التي مرّت في مرحلة الحملات الانتخابية بـ”خضّات”، قيل إنّها ستنتهي بعد الانتخابات، لتوحي وقائع الساعات الماضية أنّ العكس هو الذي سيحصل، وإنّ “الطلاق” بين الجانبين هو الذي بدأ يتكرّس.

ولعلّ تعمّد “القوات” تسمية تكتّلها النيابي الجديد بـ”الجمهورية القوية” في مواجهة تكتل “لبنان القوي” المُعلَن من جانب “التيار الوطني الحر” منذ ما قبل الانتخابات، هو أبلغ تعبيرٍ عن حجم “الصراع” بين الجانبين، صراع يبدو أنّ “القوة” ستشكّل عنوانه الأول، أو لعلّه يحمل بين طيّاته “منافسة” على من يكون “الأقوى” في المعركة الآتية، والتي بات واضحاً أنّها ستتخذ منحى “شخصياً” بين كلّ من جعجع وباسيل، المرشّحَين “الطبيعيّين” إلى رئاسة الجمهورية، بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، بعد أقلّ من خمس سنوات.

وإذا كان من المنطقيّ القول إنّ هذه التسمية لم تأتِ “عفوية”، بل حملت من الرسائل والدلالات ما حملته، فإنّ النقاش الذي فُتِح في البلد في الساعات الماضية حول الأرقام والحسابات لا يبدو “عفوياً” هو الآخر، بين “القوات اللبنانية” التي سارعت لإعلان أنّ الانتخابات أثبتت امتلاكها حيثية شعبية “مساوية” لتلك التي يمتلكها “التيار” بفارقٍ بسيطٍ لا يُحتسَب، و”التيار” الذي رفض هذه المقاربة من أصلها، ملمّحاً إلى أنّها تنمّ عن “استخفافٍ بالعقول”، واعداً بالردّ عليها، بالأرقام أيضاً وأيضاً.

وبعيداً عن نتيجة الصراع “الدونكيشوتي” الجديد بين الجانبين، نتيجة محسومة واحدة تبدو واضحة، وهي أنّ تفاهم “أوعا خيّك” ولّى هذه المرّة إلى غير رجعة، ولو أصرّ المسؤولون، وآخرهم جعجع، على ضرورة إعادة “الحياة” إليه، من خلال اتصالات ولقاءاتٍ ستعقد في الآتي من الأيام، اتصالات ولقاءات إن عُقِدت، لن يكون هدفها أكثر من تكريس “مصالحةٍ” لا ترجمة لها، منعاً لعودة الأمور على الأرض إلى ما قبل “تفاهم معراب”، وإن كان الجميع يتفق على أنّها في النفوس عادت، وأكثر…

من يكون الأقوى؟!

بين “لبنان القوي” و”الجمهورية القوية”، صراعٌ على “القوة”، يفترض، إن لم يخرج عن “المنافسة الشريفة”، أن يكون إيجابياً، باعتبار أنّ السياسة في نهاية المطاف “لعبة مصالح”، والاختلاف فيها طبيعيّ، وكذلك التنافس لتحقيق مصلحة الشعب قبل أيّ شيء.

لكنّ الخوف، كلّ الخوف، في ظلّ المعارك الكلاميّة التي بدأت بالبروز في الساعات الماضية، وفي ظلّ التجارب السابقة غير المبشّرة ولا المشجّعة، أن تكون البلاد متّجهة إلى اصطفافاتٍ جديدةٍ لا يغلَّب فيها العقل، ليدفع الشعب كالعادة الثمن، وما حصل في الشويفات قبل يومين ليس سوى عيّنة.

ولعلّ الدور الجوهري للمتنافسين على “القوة” يكمن هنا بالتحديد، لإثبات قوتهم، قوتهم أولاً في حفظ الوطن، وضبط الشارع، ومنع أيّ انفلاتٍ، وبالتالي “التصارع” بروحٍ رياضيّة واحترامٍ للتعددية والديمقراطية، فمن يكون “الأقوى”؟!.

شاهد أيضاً

مبادرة القوات لعودة النازحين: الحل على الطريقة اللبنانيّة لن يجدي

تقدم حزب “القوات اللبنانية” منذ ايام قليلة بمبادرة لعودة النازحين الى سوريا من لبنان، دون …