الحرب السُوريّة إنتهت إستراتيجيًا…

في 23 كانون الثاني 2017 جرى عقد الجولة الأولى من مُفاوضات آستانة، وفي الأيّام القليلة الماضية إختتمت الجولة العاشرة من هذه المفاوضات. وبين المؤتمرين كثير من الوُعود، ومن لجان العمل، ومن إتفاقات وقف النار وخفض التصعيد، ومن آليات تبادل المُعتقلين، وُصولاً إلى البدء بإزالة الألغام ومناقشة سبل عودة النازحين، إلخ. فهل إنتهت الحرب السُوريّة، وعلى أي أساس؟.

لم تنته الحرب السُورية بشكل كامل على الأرض بعد على الرغم من مُرور نحو سبع سنوات ونصف السنة على إندلاعها، لكنّها بلغت مراحلها النهائية، ليس بسبب نيّة الأطراف المُتقاتلة، أو الجهات الإقليمية والدَوليّة التي تدعمها، بإنهاء النزاع الدموي الذي حصد أكثر من نصف مليون قتيل إضافة إلى ملايين الجرحى والنازحين، وخسائر مادية بمئات مليارات الدولارات، إنما بسبب فقدان التوازن العسكري على الأرض الذي يسمح بإستمرار الحرب لمزيد من الوقت. فالدعم السياسي والعسكري الذي وفّرته روسيا للنظام السوري، مَعطوفًا على الدعم الميداني لإيران بالعديد والعتاد، بشكل مُباشر عبر أفواج من “الحرس الثوري” وغير مُباشر عبر ألوية وجماعات مُدرّبة ومُسلّحة وموالية لطهران، أعاد تثبيت ركائز النظام وقلب المُعادلة الميدانية مُبعدًا السُقوط الذي كان وشيكًا لحكم الرئيس السُوري بشّار الأسد. وعلى الرغم من الدعم الكبير على المُستويين العسكري والمالي الذي تلقّته “الفصائل المُعارضة للنظام السوري” في المُقابل، فإنّ تردّد الإدارة الأميركيّة بقيادة الرئيس السابق باراك أوباما، والخلاف بين واشنطن وأنقره بشأن الوُجود الكردي المُسلّح على الحُدود مع تركيا، والخلافات بين كل من السعودية وقطر وغيرهما من الدول والذي إنعكس تقاتلاً ميدانيًا بين الفصائل المُعارضة، وتحوّل الجزء الأكبر من هذه الأخيرة إلى جماعات إرهابيّة مُتشدّدة وإنجرافها بعيدًا عن الأفكار الثوريّة والإصلاحية التي كان تبنّاها أوائل المُنشقّون عن الجيش السوري في بداية الحرب، وُصولاً إلى حرف الإهتمام الخليجي من الموقع الهُجومي في حرب سوريا إلى الموقع الدفاعي في حرب اليمن، عبر خطّة إيرانية مدروسة بعناية، إلخ. أسفر بدوره عن إضعاف القوى التي تُقاتل الجيش السُوري والوحدات النظامية وغير النظامية الحليفة له.

واليوم، ومع تبدّل الخريطة الميدانية بشكل جذري لصالح النظام، بحيث تجمّع ما تبقى من جماعات مُعارضة مُسلّحة في إدلب، في حين دخل الأكراد مُمثّلين بما يُسمّى “قوّات سوريا الديمقراطيّة” في مُفاوضات مع النظام لإيجاد مخارج لمناطق سيطرتهم، تُحاول سوريا التخلّص من آخر ورقتين جديّتين لا يزال يُمكن إستخدامهما في المُفاوضات القائمة لإنهاء الحرب السُورية. وتصريحات الرئيس السُوري بشّار الأسد بأنّه عازم على إستعادة السيطرة على إدلب، والتي تُقابلها مُفاوضات حثيثة بين الجماعات المُسلّحة هناك لتوحيد صُفوفها تحت قيادة مركزيّة لتعزيز فرصتها بصدّ أي هُجوم ضخم، تدخل في سياق تجريد “المُعارضين” من آخر ورقة فعليّة بيدهم، باعتبار أنّ “الأكراد” لن يكونوا بعد ذلك قادرين على التمرّد على السُلطة المركزيّة في دمشق، خاصة وأنّهم دفعوا غاليًا ثمن الخلاف الأميركي–التركي بشأن “حُكمهم الذاتي” الذي لن يتحقّق.

واللافت أنّ المفاوضات المُستمرّة بشأن الحرب السُوريّة إنتقلت إلى مواضيع يُمثّل حلّها المدخل الطبيعي لإعادة الحياة إلى طبيعتها، مثل تأمين إطلاق السُجناء وتأمين العودة الآمنة للنازحين، علمًا أنّه بدأت أيضًا على خط مواز سلسلة من الإتصالات بعيدًا عن الأضواء لتقاسم المردود الإقتصادي الهائل الذي سيتأمّن للجهات التي ستتولّى إعادة إعمار سوريا. وفي حين تسعى روسيا للإستفادة من إنتصارها الإستراتيجي في سوريا، عبر تحقيق مكاسب إقتصاديّة وماليّة من عمليّة إعادة الإعمار، تأمل إيران أن يكون لها حصّة كبرى أيضًا في هذه العمليّة. وفي حين ينحصر إهتمام موسكو بالحفاظ على قواعدها العسكريّة في سوريا وعلى البحر الأبيض المتوسّط، ترغب إيران بإبقاء تهديدها الميداني المُباشر لإسرائيل إنطلاقًا من الأراضي السُوريّة، الأمر الذي تُقابله إسرائيل بحصر إهتمامها بالوضع السُوري بالخريطة الميدانية التي سينتهي إليها إنتشار القوّات الإيرانيّة والقوى المُسلّحة المدعومة منها، وبمدى بُعدها عن الجولان السُوري المُحتلّ وعن الحُدود الإسرائيليّة. وقد برز أخيرًا تصريح مُعبّر لوزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان رأى فيه أنّ الجبهة السُوريّة ستكون هادئة مع إستعادة الرئيس السوري للحكم بشكل كامل!. أمّا الهمّ التركي فهو محصور برفض منح الأكراد في سوريا، أي طابع إستقلالي، وبُمحاولة الإستفادة من ورقة بعض الجماعات المُسلّحة في إدلب والتي تدين بالولاء لأنقره، لإستبدالها بمكاسب تحفظ المصالح التركية في الحلّ النهائي للحرب السُوريّة.

ومّما تقدّم، يُمكن القول إنّ الحرب السُورية إنتهت إستراتيجيًا لكل الأطراف التي شاركت فيها بشكل أو بآخر، وهي أوشكت على الإنتهاء ميدانيًا أيضًا حيث يُنتظر أن يكون العام 2019 هو آخر سنوات هذه الحرب. لكن وفي حين نجحت بعض الدول في تعزيز مصالحها الإقليمية والدًوليّة، في مُقابل فشل دول أخرى بذلك، لا شكّ أنّ الإرتدادات السلبيّة هي على الدول التي تُعاني من أزمة النازحين، وفي طليعتها لبنان، حيث أنّ الحُلول الفعليّة لهذه القضيّة ليست بيده، وجلّ ما يستطيعه هو إعادة بضع مئات أو آلاف من اللاجئين، في إنتظار ما ستتوافق عليه الدول الكبرى في هذا الصدد.

 

ناجي س. البستاني

شاهد أيضاً

هل سيعود عناصر حزب الله من سوريا الى لبنان؟

ترك الكلام الذي اطلقه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في اطلالته الاخيرة، …