الحريري أمام مفترَقَيْن… ومفترِقَيْن!

28  شباط 2018 ليس بأيّ شكلٍ من الأشكال 4 تشرين الثاني 2017. بين التاريخين أكثرُ من جفاءٍ زمني يلامس الأشهر الأربعة. بين التاريخين حكاية رئيس وزراء لبناني ذهب إلى السعودية رئيسًا وأصبح فيها رئيسًا مستقيلًا قبل أن يغادرها رئيسًا يبحث العودة عن استقالته ليحط في لبنان رئيسًا من جديد. و28 شباط 2018 ليس بأيّ شكلٍ من الأشكال 6 تشرين الثاني 2017. بين التاريخَين جفاءٌ شكليٌّ/مظهريٌّ وإن كذّبته العينُ لا يغفل عنه القلب. الوجهُ، البسمةُ، العينان، شموخُ الرأس وحتى ربطة العنق الحمراء، كلّ عنصرٍ في المشهديّتين المكانيّة والزمانيّة تبدّل. في السادس من تشرين الثاني الماضي عبثًا حاول الحريري إقناع عارفيه وغير عارفيه بأنه على أتمّ ما يُرام وبأنّ لقاءه بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بَديهيّ وبأنّ معالم وجهه الكئيبة وليدة التعب. اليوم، لن يقول الحريري شيئًا، لن يجهد في إقناع محبّيه ومنتظري عودته عشيّة الانتخابات في شيء. ثقتُه قالت عنه ما لم يبُح به يومًا.

تختلف الحسابات اليوم بين الرئيس الحريري وعرّابته المملكة. أصبح الرجل أكثر قوةً في عهدٍ قويّ. يعلم السعوديّون خيرَ علمٍ أنّ الحريري يستقوي بعناصرَ ثلاثة كانت وراء عودته إلى لبنان رئيسَ حكومة معززًا مكرّمًا: دعمٌ رئاسيٌّ لامحدود، تعاطفٌ شعبي لامحدود، والتفافٌ دولي لامحدود.

بسرعةٍ خياليّة لبى الحريري دعوة المملكة التي نقلها إليه منذ ساعات الموفد الملكي نزار العلولا. ذهب بقلب أسد، وقابل اللبنانيون الزيارة بقلب أسد. فهم الجميع أن المملكة لا يمكن أن تستغني عن الرجل الذي يمسك بزمام الساحة السنيّة رغم كثيرٍ من أصوات النشاز. لم يعد ممكنًا للمملكة تجاهل “العناصر الطارئة” على الساحة المحليّة والتي تبلورت في سرعةٍ قياسيّة لا تربو على أربعة أشهر منذ عودة الحريري إلى لبنانه. تعي المملكة جيدًا أنّ تحقيق أهدافها المرجوّة في لبنان ما عاد كشربة ماء كما في السابق ومردُّ ذلك إلى حقائق خمس ستكون كفيلة برسم المشهديّتين البرلمانية والحكوميّة بعد السادس من أيار المقبل: أولًا، “نفور” شريحةٍ كبيرة من الشارع السنّي واقتناعها بأنّ ممثلّها الأول، ورئيس حكومة بلادها، لم يستقِل بخاطره وبأن تعاطي السعوديّة معه لم يكن لائقًا. وبالتالي تعيش المملكة هاجس عدم خسارة هذا الشارع السنّي لا سيّما أنّها -بالتجربة- اختبرت ضعفَ المنافسين و”لحظويّة” تأييد القاعدة لهم. ثانيًا، لم تعد المملكة قادرة على تجاهل “العهد القويّ” الذي تمكّن من استعادة رئيس الحكومة بضغطٍ غير مسبوقٍ وتأييدٍ بلغ الشارع الشيعي المناهض للسعودية والذي اصطفّ إلى جانب رئيس الحكومة وطالب بعودته. وعليه، تعلم السعودية جيدًا أن أيّ خصومةٍ مع رئيس الجمهورية تحديدًا ورقة خاسرة لوجودها ودورها في لبنان والمنطقة. ثالثًا، فهمت المملكة أنّ خطوتها في الرابع من تشرين الماضي سعّرت خلافاتٍ بين الحريري وحلفائه “المفترضين” في لبنان ممن تدعمهم، وهو ما لا يصبّ في صالح عاملَي السيطرة والانضباط اللذين تبحث عنهما في إدارة الساحة اللبنانية من خلال تحريك “ممثليها”، وعليه تحاول عبثًا تقريب المسافات كي لا يُستنزَف الشارع السنّي لصالح الشارع الشيعي. بيد أن الحريري يبدو واضحًا في هذا المجال بعدما قطع “كارت” لأكثر من حليفٍ ماضٍ “خانه” في محنته. رابعًا، عمليّة إقصاء حزب الله والضغط عليه بالوتيرة نفسها التي كانت معتمدة في السنوات الفائتة غير مجديَين وغير واردَين لا سيّما مع تكريس الحزب نفسه قوةً عسكريّة كبيرة في المنطقة، والأهمّ قوّة سياسيّة شريكة في الحكم داخليًا، وبالتالي يبدو الضغط المباشر ساقطًا واللجوء إلى أساليب أخرى “أداتُها” الحريري أكثر حنكةً. وفي هذا المجال، يمكن للسعوديّة أن تستغلّ الفتور بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ في الآونة الأخيرة لتشدّ الرباط بين البرتقاليين وتيار المستقبل، وتاليًا لتعزز الثقة الممنوحة من الحريري إلى الرئيس عون في سبيل إضعاف موقع حزب الله خصوصًا أن تحالفات الحريري انتخابيًا وسياسيًا باتت محصورة في التيار الوطني الحرّ والحزب التقدمي الاشتراكي بعد حسم أمر لاتحالفه مع حزب الله وحركة أمل والقوات اللبنانية (والكتائب إلا في حالاتٍ استراتيجية نادرة). خامسًا، وإن كان من توانٍ سعوديٍّ عن الضعط على الحريري فمردُّه حكمًا إلى التفافَين شعبي داخلي ودولي رئاسي حول الحريري وشرعيّته وتجربته التي تعكس يومًا بعد آخر اختمارًا ونضجًا ووعيًا وبساطةً ومقاربةً أكثر عمقًا للأزمات.

هذه المُعللات الخمسة القائمة في صلبها على توسيع الشرخ بين الحريري وحزب الله في الداخل حتى لو كلّف الأمر خضوعًا تامًا للرئيس عون ومجاراته في كلّ مواقفه ليضمن “المستقبل” حليفًا قويًا، لا يمكن أن تتحقّق إلا من خلال استعادة بعضٍ من ماء الوجه مع الحلفاء السابقين لا سيّما “القوات اللبنانية”، وهو ما يفسّر لقاء الرئيس الحريري بوزير الإعلام ملحم رياشي قبل ساعةٍ من مغادرته لبنان إلى المملكة غداة استضافة الموفد السعودي نزار المعلولا على العشاء في معراب.

وعليه، تتظهّر مفاعيل زيارة الحريري إلى السعودية في غضون أيامٍ، على أن تُترجَم في مسار التحالفات وتحديدًا بينه وبين التيار الوطني الحرّ. إلى حينها، واضحٌ أنّ الرجل يقف أمام مفترقَيْن يفرضه عليه المُفترِقان (السعودية وحزب الله): تعزيزُ مكانته في الداخل بتكريس تحالفه مع رئيس العهد من دون أي استفزازٍ لحزب الله، أو العودةُ إلى “قديمه” الذي ما نفعه – بالتجربة- ولكن نزولًا عند رغبة سعوديّة برأب الصدع. وإن كان الخيار الأول هو الأوفر حظًا، الأكيد أنّ الحريري بات يحتفظ لنفسه بهامش مناورة لا يفصح عنه حتى لمرآته خوفًا من أن تكون للجدران “غير الوفيّة” آذان!.

 

الياس قطار-البلد

 

شاهد أيضاً

هل دخل مخيم عين الحلوة في لبنان مرحلة الخطر الداهم؟

دقت أوساط فلسطينية مسؤولة، ناقوس الخطر الداهم الذي يتهدد مخيم عين الحلوة على خلفية تقاطع …