الرئيس عون حريص على المصالحة المسيحية ولكن…

لم يكن احد يشكك في مدى حرص رئيس التيار الوطني الحر سابقاً العماد ميشال عون (رئيس الجمهوريّة) على التلاقي المسيحي، وتحديداً مع “القوات اللبنانية”، لانه رأى فيه مصلحة للمسيحيين الذين ينتمون في غالبيتهم الى التيار والقوات، فيما يوزّع العدد الباقي على الاحزاب المسيحيّة الاخرى. لحظة اعلان اتفاق معراب، وعلى الرغم من انه اتى في وقت كان الخلاف قد نشب بين “التيار الوطني الحر” و”المردة”، الا ان اجواءه كانت غاية في الايجابية على الساحة الوطنية عموماً والمسيحية بشكل خاص، وقد ادى الى ما ادى اليه من تفاهمات واتفاقات وتعزيز حضور الفريقين على الساحة الشعبية.

ولكن، يبدو انه لا يمكن ان ينعم لبنان بتوافق بين ابنائه، اكان على الصعيد الشامل او حتى ضمن الطائفة والمذهب عينه، فإن وضعنا جانباً تحالف “الثنائي الشيعي” الذي يجتاح الشريحة الاكبر من المنتمين الى المذهب الشيعي، انقسمت الشريحة السنّية لفترة من الوقت على الصعيد السياسي الى ان عاد رئيس تيار المستقبل سعد الحريري الى “غربلة” الامور واعاد السيطرة على السنّية السياسية، بعد ان وأد محاولات الانشقاق السياسي لهذا المذهب الاسلامي. اما لدى الطائفة المسيحية، فلا يزال الموارنة يعانون من “لعنة” في التحالفات السياسية، فلا يجتمعون الا وقد تفرقوا عن غيرهم من المذهب نفسه، وها هم اليوم يعانون من عودة الى الافتراق بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. انصافاً للامور، عمل عدد من المنتمين الى الفريقين منذ بداية اتفاق معراب، على تهيئة القاعدة الشعبية لكل منهما من اجل تثبيت هذا التفاهم، والتزم الحزبيون والمنتمون قسراً رغم انهم لم “يبلعوا” الاتفاق وهذا لم يمنع الساحة المسيحية من ان تعيش فترة “ذهبية”، وهي الفترة نفسها التي عاشها رئيس الجمهورية ميشال عون بداية عهده، كونه يعي تماماً اهمية التفاهم شبه التام على الساحة المسيحية وتداعياته الايجابية على لبنان بأكمله.

اليوم، يبدو وكأن عون بعيدا عن الاجواء، رغم انه تدخل شخصياً والتقى رئيس حزب القوات سمير جعجع الذي خرج بكلام بالغ الايجابية عن العلاقة ولو انه اوضح الفصل بين العلاقة مع الرئيس وتلك القائمة مع التيار ورئيسه ومن يتبعه. الكثيرون يضعون اللائمة على وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل كونه، كرئيس للتيار، لم يقم بما يجب القيام به من اجل تذليل العقبات التي تنامت ووصلت الى حدود الافتراق مجدداً مع القوات، وآخرون يلومون جعجع والقوات على رفضهما التعاون مع التيار في مشاريع وقوانين كان من شأنها ترسيخ التفاهم وتعزيزه. بالطبع، لن يقبل محبّو القوات ان يتحمّل حزبهم المسؤولية، كما لن يقبل محبّو التيار توجيه اصابع الاتهام اليهم، ولكن بين الاثنين هناك طرف ثالث وهو رئيس الجمهورية الذي ينظر بحسرة لما آلت اليه الامور. حيث يفيد واقعها بأن عون بات يكتفي بالترقب والمشاهدة، لانه قام بكل ما يستطيعه كرئيس للجمهورية من اجل اصلاح ذات البين بين الاثنين، ولكن جهوده احبطت ولم تثمر، ربما لانه لم يعد بامكانه التدخل بشكل مباشر ليحدد ويقطع ويوصل الامور، علماً ان الجميع يعتبره منطقياً وقابلاً للتفاهم فيما لو كان هو المعني بالمفاوضات المباشرة بين الاحزاب والتيارات، حتى رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط كان ضمن عداد هذا التوجه.

حرص عون على المصالحة المسيحيّة تُرجم سابقاً بتفاهم معراب، وعلى الرغم من انه لا يزال يحمله معه في موقعه في بعبدا، الا انه يعتبره خسارة كبيرة سيدفع ثمنها المسيحيّون واللبنانيّون، لانه يدرك تماماً ان سياسة “الترقيع” التي ستعتمد لتمرير المرحلة ستكون مرحليّة وستبقى النار تحت الرماد، ولا يبدو ان هناك من هو مستعدّ لاطفائها، علماً ان المستقبل لن يحمل سوى التعقيد على صعيد العلاقات بين الاطراف السياسية اللبنانية وعلى قطاع اكثر تحديداً، على صعيد الساحة المسيحية-المسيحية.

 

طوني الخوري

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …