السيد حسن نصرالله والدولة اللبنانية

طرحَ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يوم الجمعة الفائت، في كلمته المتلفزة التي بُثّت مباشرة، مجموعة مواقف محلية و دولية؛وذلك بحضور فاعليات دينية وسياسية واجتماعية كان أبرزها حضور سفيري الجمهوريتين العربية السورية والإيرانية في مناسبة احتفال حزب الله بذكرى شهداء القنيطرة؛ مع ما يرافق هذا الحضور من دلالات سياسية، محورية واستراتيجية.

من أبرز الجديد الذي صرّح به السيد نصرالله في العهد الحالي، ولئن أفصح عنه بالهدوء والسلاسة المعهودين لديه، وبأسلوب “إفهم، فتأمل” كما في الكتب (وفق ما ذكر)، قاعدة جوهرية، على ما يبدو، هي أساس للمرحلة الحالية والمستقبلية في سياسة حزب الله، تتمثّل بما يلي :قرار الدولة ليس قرار الحكومة.

نستغرب أن يغيب هكذا كلام هام يعيد خلط الأوراق، عن السياسيين والمحللين الذين يدّعون الباع الطويلة في سبك غمار السياسة، فيمرّ مرور الكرام. نتوقف عنده .

قال السيد نصرالله حرفياً في معرض حديثه عن النقاط الخلافية الثلاثة عشر على الحدود اللبنانية: “الدولة اللبنانية، الرؤساء والجهات المعنية فيها؛ وهذا موقف الدولة وليس فقط موقف الحكومة هو رفض الإجراءات الإسرائيلية في النقاط المتنازع عليها. أبلغ لبنان اليونيفيل التي الذي أبلغ الجانب الإسرائيلي ولبنان ينتظر”.

لا بدّ من التوقف عند مسألتين هامتين في التحليل  السياسي للتصريح. الأولى تتعلّق بالتوقيت والثانية بالأبعاد.

أوّلاً، بالنسبة للتوقيت:

١-مؤتمر التعاون الإسلامي الذي يُعقَد في السعودية. موضوعه الصورايخ الباليستية التي أطلقها الحوثيون. لقد تمت دعوة وزير الخارجية والمغتربين اللبناني جبران باسيل لحضور المؤتمر. لم يَفْعَل. اتفاق النأي بالنفس يفرض خطاباً معتدلاً للوزير اللبناني الذي يمثّل الحكومة. نأى لبنان الرسمي بنفسه عن الحضور. حزب الله يؤكد سلفاً ردّاً على كلّ ما يمكن أن يصدر من اتهامات بوجه حزب الله  في مسألة صواريخ الحوثيين، وتبعاً لها اتهام للحكومة اللبنانية؛ كما سبق وفعل وزير خارجية السعودية عادل الجبير؛ انّ موقف الدولة اللبنانية لا يعبّر عنه فقط وزير أو حكومة. قرار الدولة ليس قرار الحكومة. أبعَد السيد نصرالله الحكومة عن واجهة الضغوط العربية المُحتملة.

٢-مؤتمر سوتشي سوف يعقد في ٢٩ و٣٠ من الشهر الجاري للتباحث بقضية الأزمة السورية. أعلنت روسيا أن دولاً عدّة رشّحت قوائم بالأسماء التي ستشارك في المؤتمر منها مصر، السعودية، الإمارات، تركيا. لا أحد حتى الساعة سيحضر عن لبنان. تشير بعض المعلومات أنّ إحدى البنود الأساسية التي ستُعرض في المؤتمر هي شرط انسحاب حزب الله من سوريا وتحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية بقاءه.

كلام السيد نصرالله كان واضحاً بشأن ذلك ومنذ سنوات. إن قرار مشاركة حزب الله عسكريا في سوريا هو قرار أحادي. واليوم هو يرفض إشراك الحكومة بأي ضغط لهذه الجهة.

٣-العلاقة المتوترة بين عين التينة وبيت الوسط زعزعت ثقة الحليف الأقرب الى حزب الله أي حركة أمل، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري برئيس الحكومة سعد الحريري. المشاعر السلبية مُعدية، قد تكون انتقلت جزئياً الى حزب الله تجاه الحريري. قرارات رئيس الحكومة المستقبلية وخاصة بعد زيارته المقبلة الى السعودية قد تكون غير محسومة سلفاً. فهي إذاً لن تكون معبّرة عن الدولة.

٤-يستعد لبنان لاستقبال الرئيس الألماني في أواخر الشهر الجاري، لا شكّ أنّه سيلتقي إضافة الى الرئيس ميشال عون برئيس السلطة التنفيذية والوزراء وفاعليات. عدم اتخاذ الحكومة اللبنانية مواقف من اشتراك حزب الله بالحرب على الإرهاب في سلسلة جبال لبنان الشرقية التي نتج عنها ترسيخ الأمن في لبنان، كما ذكر السيد نصرالله؛ إضافة إلى عدم اتخاذ الحكومة قرارات تتبنى ما اتخذ في الجامعة العربية  لجهة التطبيع والتباين في القناعات بشأن سياسة لبنان الخارجية والداخلية، لا يعني أن هذا هو موقف الدولة اللبنانية الرسمي الذي قد ينقله كثيرون للرئيس الألماني. رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان قد صرّح في مقابلة له مع الإعلام المصري عن دور سلاح المقاومة وعن موقف لبنان من سوريا.

يبدو أنّ السيد نصرالله الذي يعلم أن خطابه موضع إصغاء دولي، يذكّر بأن  رئيس الجمهورية هو من يعبّر عن قرار الدولة.

بالخلاصة، إن السيد نصرالله يفصل مفهوم الدولة عن منظومة الحكومة بالمرحلة الراهنة والمقبلة.

ثانياً، بالنسبة للأبعاد :

١-إنّ موقف الدولة يعبّر عنه رئيس الجمهورية و”الجهات المعنية”. هذا ما يريد السيد نصرالله تأكيده. والمقصود موقف الدولة من القضايا الرئيسية المحلية والدولية.

يبدو أنّ الحكومة برئاسة سعد الحريري قد تقف عاجزة أمام التحديات الدولية العربية والأجنبية القادمة على لبنان بالشق المتعلق بسوريا وايران من جهة وبالشق المتعلق بحزب الله ودول عربية من جهة أخرى. يسحب السيد نصرالله بساط الرهان العربي والدولي على الحكومة إنقاذا للبنان من أيّ اهتزاز بسلطته التنفيذية هو بمنأى عنه.

2-إظهار أنّ الصلاحيات التي انتزعها الطائف من رئاسة الجمهورية حاضرة ولئن معنوياً. كرة سياسة لبنان الدولية في ملعب رئيس الجمهورية. يزو الرئيس عون اليوم الكويت. والّتي من المرجح أن تطرح على لبنان لعب دور “ملتقى عربي” في مرحلة “الحوار” القادمة بشأن الأزمات الدائرة لا سيما السورية-القطرية .

فإنّ أيّ حوار استراتيجي أو دور محوري للبنان في المرحلة المقبلة لا يمكن أن يحصل إِلَّا عبر رئيس الجمهورية .

٣-ثلاثية الجيش، الشعب والمقاومة التي أكّد عليها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل وبعد انتخابه رئيساً. مبدأ لبناني يكرّس شرعيته موقف الدولة. ورئيس الجمهورية هو رأسها. إنّ الإجراءات الإسرائيلية على نقاط الخلاف الحدودية، استفزازات لدفع حزب الله الى الدفاع وبدء الحرب. يؤكّد حزب الله وقوفه بجانب قرار الجيش ورئيس الجمهورية الرافض لهذه الإجراءات والمستعدّ لمواجهتها. أقفل الخط على العدو الاسرائيلي بالمراهنة على استجرار الحزب الى حرب.

٤-إنّ القرار الذي ستتخذه الحكومة اللبنانية بالتعاون أو عدم التعاون مع لجنة أميركية تشكلت للتحقيق بأنشطة الحزب، يعيدنا بالذاكرة الى لجنة التحقيق الدولية وإجراءات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. وموقف رئيس الحكومة آنذاك من الاتفاقية المعقودة.

قرار الدولة يذكّر أنّ المفاوضات  وإبرام المعاهدات الدولية من صلاحية رئيس الدولة وفق المادة ٥٢ من الدستور اللبناني بالاتفاق مع رئيس الحكومة ولا تصبح تلك المعاهدات ملزمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. المعاهدات المتعلقة بمالية الدولة وسائر الاتفاقيات تفترض موافقة  مجلس النواب.

بالخلاصة، بما يتعلق بالأبعاد، إنّ أمام لبنان استحقاقات دولية، سياسية وسيادية تفترض قرارات الدولة الرسمية. فقرار الدولة ليس قرار الحكومة منفردة.

في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية والتهديد الاسرائيلي الدائم للبنان ومشاريع الفتنة القائمة، لا خلاص للبنان الا بتحمّل الدولة مسؤوليتها السيادية في الشؤون الدولية كما شؤونها المحلية. الشراكة في القرار هي الأساس على قاعدة “رفض العزل والإقصاء”.

 

المحامية سندريللا مرهج

شاهد أيضاً

هل دخل مخيم عين الحلوة في لبنان مرحلة الخطر الداهم؟

دقت أوساط فلسطينية مسؤولة، ناقوس الخطر الداهم الذي يتهدد مخيم عين الحلوة على خلفية تقاطع …