الصراع على… من يحكم لُبنان!

قال رئيس الجمهورية لوفد رفيع من قيادة الجيش إنّ المقصود من النقاش الدائر حاليًا لا يتعلّق بحُقوق العسكريّين إنّما بصراع سياسي على مواضيع أخرى، فما هو المقصود بقوله هذا؟.

لا شكّ أنّ حديث رئيس الجمهورية عن صراع سياسي، وترحّم رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي قبل أيّام على الطائف، يؤكّدان أنّ الخلاف بشأن مرسوم منح أقدميّة سنة لضبّاط دورة العام 1994، ليس على شؤون تقنيّة ومصاريف مالية محدودة وإرباك مُحتمل في التراتبية والأمرة العسكريّة، على الرغم من أهمّية هذه الأمور. فالخلاف الفعلي والكبير يتركّز على السُلطات الممنوحة للقيادات في لبنان، وعلى من يحكم لبنان!.

وفي هذا السياق، لا بُد من التذكير أنّ لبنان ما قبل الطائف كان برئاسة رئيس الجمهورية، صاحب الكلمة الفصل في مختلف المواضيع، والقائد الأعلى للقوّات المُسلّحة، وكانت الإعتراضات على قرارات الرئيس تأخذ منحى الإعتكاف من جانب رئيس مجلس الوزراء في أغلبيّة المرّات. لكن بعد الطائف والتعديلات التي جرى إدخالها على الدُستور في ظلّ ميزان قوى مائل كليًا لغير صالح المسيحيّين في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، تغيّر هذا الواقع جذريًا، بحيث جرى تقليص سُلطات رئيس الجمهورية، لصالح مجلس الوزراء مُجتمعًا. وخلال المُمارسة نجح رئيس مجلس النوّاب الذي مضى على رئاسته للبرلمان اللبناني أكثر من ربع قرن (إنتخب رئيسًا للمجلس النيابي لأوّل مرّة في 20 تشرين الأوّل 1992، وهو لا يزال في هذا المنصب بدون إنقطاع حتى تاريخه)، في فرض ما أطلق عليه “الترويكا” لجهة حُكم لبنان من قبل كل من رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة، مُستخدمًا سلاح تعطيل أعمال المجلس مرّات عدّة لتعزيز موقعه في الحُكم. لكن ما فرضه رئيس مجلس النواب خلال ولايات رؤساء الجمهوريّة السابقين في مرحلة ما بعد الطائف (الراحل إلياس الهراوي، ثم العماد إميل لحود، وبعده العماد ميشال سليمان) بدأ يتعثّر مع الرئيس الحالي للجُمهورية العماد ميشال عون. والسبب أنّ “الجنرال” الذي وصل أساسًا إلى قصر بعبدا بعكس إرادة رئيس المجلس، يستفيد من قاعدة شعبيّة كبيرة، ومن تمثيل رسمي كبير داخل السُلطتين التشريعية والتنفيذيّة وداخل إدارات الدولة عُمومًا، وكانت له أيضًا الكلمة الفصل في تعيين القائد الجديد للجيش العماد جوزيف عون، علمًا أنّ للرئيس عون الكثير من المُؤيّدين أيضًا ضُمن السلك العسكري، ما جعل نُفوذه في الحُكم أكبر بكثير من السُلطات والصلاحيّات المَتروكة لرئيس الجمهورية بحسب بنود إتفاق الطائف.

إلى ذلك، جاء التقارب الكبير الذي حصل بين “التيار الوطني الحُرّ” و”تيّار المستقبل” في الأسابيع القليلة الماضية، ليزيد من حزازيّة رئيس مجلس النوّاب إزاء تغييبه عن بعض القرارات، خاصة وأنّ رئيس الحكومة سعد الحريري يتجنّب في الآونة الأخيرة مُواجهة الرئيس عون، ويعمد إلى مُجاراته في كثير من القرارات، إلى درجة أنّه بات عرضة لانتقادات دوريّة تتهمه بالضُعف وبالتخلّي عن سُلطاته وصلاحيّاته كرئيس حكومة، وذلك من قبل مجموعة من الشخصيّات السياسيّة داخل البيئة السنّية! وجاء توقيع كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على مرسوم منح الأقدميّة لدورة ضُبّاط العام 1994، ليُشكّل النقطة التي أفاضت الكوب–إذا جاز التعبير، باعتبار أنّ رئيس مجلس النوّاب كان أصرّ عند تشكيل الحُكومة على رفض مبدأ المُداورة في المناصب الوزاريّة التي تُعتبر “سياديّة”، لإبقاء وزارة المال بيد حركة “أمل”، وذلك بهدف عرقلة أي قرار لا يحظى بمُوافقته. وبحسب كل المعلومات المتوفّرة، إنّ رئيس مجلس النوّاب ينوي الإحتفاظ بوزارة المال في الحكومات المُقبلة، لتحويل هذا الأمر إلى عُرف، بحجّة إشراك الطائفة الشيعيّة بالقرارات التي يتخذها ويوقّع عليها كل من رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السنّي.

وبالتالي، إنّ تجاوز غياب توقيع وزير المال على مرسوم منح الأقدميّة لدورة ضُباط العام 1994–ولوّ بحجّة عدم تسبّبه بأعباء مالية تستوجب توقيع الوزير المُختصّ، أي وزير المال، يُمثّل لرئيس مجلس النوّاب تجاوزًا لسُلطته في الحُكم، يُمكن في حال السماح به في هذا الموضوع بالتحديد، أن يتكرّر في مواضيع أخرى، وهذا ما لن يقبل به على الإطلاق. في المُقابل، إنّ رئيس الجمهوريّة الذي أطلق خلال سنة حكمه الأولى الكثير من المواقف السياسيّة التي إستحوذت على ثناء وعلى تنويه قيادات “محور المُمانعة” بوطنيّته، ينطلق من ثباته على موقفه بأنّه يتقيّد بالقوانين بحذافيرها ولا يتجاوز السُلطات المَمنوحة له، خاصة وأنّ الدُستور اللبناني يفصل بين السُلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة، ويُحدد دور كل منهما في إدارة الحُكم.

وفي الخلاصة، يُمكن القول إنّ الصراع السياسي الحالي هو على من يحكم لبنان: هل منظومة “الترويكا” التي كانت سائدة في العُهود السابقة، أم رئيس الجمهورية منفردًا بما أتيح له من سُلطات في الدُستور في بعض الأحيان وبالمُشاركة مع رئيس السُلطة التنفيذيّة عندما لا تكون هذه السُلطات كافية في أحيان أخرى؟ ويُضاف إلى هذا السبب، سبب آخر لا يقلّ أهمّية يتمثّل في طبيعة التحالفات والحصص الإنتخابيّة التي ستتحدّد في الأسابيع القليلة المقبلة، بعد الكثير من عمليّات شدّ الحبال والخطابات العالية السقف!

ناجي س. البستاني

 

شاهد أيضاً

يسرا محنوش وقصّة “أنا عمري”!

“أنا عمري” هو عنوان العمل الغنائي الجديد الذي طرحته النجمة يسرا محنوش خلال الأيام القليلة الماضية. …