“الكتائب” إلى “أحضان السلطة” من جديد؟!

كان متوقّعاً أن يمرّ “حزب الكتائب” بفترة “مراجعة ذاتية” بعد النتيجة “المخيّبة” التي حققها في الانتخابات النيابية، والتي لم يتردّد كثيرون بوصفها بـ”النكسة”، بعدما تراجعت الكتلة “الكتائبية” في المجلس النيابي حجماً وانتشاراً، فيما تعزّز حضور كتلٍ منافسةٍ إلى حدّ “التضخّم” على حسابه أولاً وأخيراً.

لكن بالموازاة، كان متوقّعاً أيضاً أن تكرّس نتائج الانتخابات تموضع الحزب في جبهة “المعارضة”، أقلّه في هذه المرحلة، وخصوصاً في الحكومة الأولى ما بعد الانتخابات، فإذا به يُظهر “توقاً” إلى العودة إلى الحكم بشكلٍ أو بآخر، بل إنّ التسريبات تتحدّث عن قبوله بحقيبة دولة، أي ما كان رفضه له سبب خروجه من الحكومة السابقة.

وعلى الرغم من أنّ الحزب يصرّ على القول إنّه لم يحسم أمر المشاركة في الحكومة من عدمها بعد، وإنه ينتظر معرفة “برنامج” الحكومة ليبنى على الشيء مقتضاه، فإنّ علامات استفهام كثيرة تُطرَح عما إذا كان “الانقلاب الكتائبي” بات محسوماً، وأيّ تبعاتٍ يمكن أن يحملها على حزبٍ لطالما تباهى بأنه، وحده، ما زال محافظاً على “المبدئيّة” في العمل السياسي…

مفاجآت بالجملة

منذ انتهاء الانتخابات النيابية، تتوالى “المفاجآت” الكتائبية على غير صعيد، بدءاً من “صمت” قياديّي الحزب، وفي مقدّمهم رئيسه النائب سامي الجميل، على مدى أيام بعد الاستحقاق، لدرجة أطلق بعض “الظرفاء” حملات للبحث عنه، وصولاً إلى محاولة بعض المحسوبين عليه اختراع “انتصارات” لتعويض حجم “الخسارة”، على غرار اعتبار حصول الحزب على مقعدين مارونيَّين في المتن “نصراً” بالمعنى الرمزي، على أحقيته.

إلا أنّ ما لا شكّ فيه أن “المفاجأة الأكبر” كانت تلك التي فجّرها الجميل في يوم الاستشارات النيابية الملزمة في قصر بعبدا، حين خرج من لقاء رئيس الجمهورية ميشال عون، معلناً أنّ كتلته سمّت رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي لم يوفّره الجميل كما حكومته يوماً من هجماته “اللاذعة”، لتأليف الحكومة الجديدة. سريعاً، استعاد اللبنانيون المشاهد المتكرّرة على مدى الأشهر الماضية للجميل متهماً الحكومة ورئيسها بكلّ أنواع الارتكابات والمحاصصات، وللحريري الذي كان يعبّر عن “امتعاضه” بسلاح “المقاطعة” من خلال الخروج من قاعة البرلمان، كلما مُنِح الجميل الحق في الكلام، ولو أنّه كان بذلك “يهين” مبادئ العمل الديمقراطي السليم، التي تفرض الاستماع لصوت المعارضة، ولو لم يكن يعجبه.

وإذا كان الجميل برّر “فعلته” من خلال القول بأنّ تسمية الحريري أتت بناءً على “جلسة شخصية” مع الرجل، ستتبعها أخرى، ولم يربط الأمر بأيّ مطالب محدّدة للمشاركة في الحكومة، فإنّ كلامه وسط كل هذه المعمعة عن تغيير وجدية لدى الحريري، لم يبدُ مقنعاً لأحد، لا داخل الحزب ولا خارجه. “التسريبات” التي بدأت بالخروج إلى العلن تولت استكمال مسلسل “المفاجآت” الكتائبي. ولعلّ من هذه “المفاجآت” ما يُحكى عن أنّ الحزب مستعدٌّ للقبول بحقيبة دولة لا أكثر، ولو ربطها بمكافحة الفساد مثلاً من باب حفظ الاعتبار، والجميع يذكر أنّ حقيبة الدولة التي عُرضت على “الكتائب” خلال المفاوضات التي سبقت تأليف الحكومة الأخيرة، كانت سبب “تمرّد” الرجل وانتقاله صراحةً من ضفّة الموالاة إلى المعارضة بلا أسف.

“بلا حسد”

عموماً، لا أحد يحسد “الكتائب” على الموقف الذي وُضِعت فيه بعد الانتخابات، فالنتائج التي حققتها والتي كانت أكثر من مخيّبة فرضت عليها إعادة نظر بسياستها ككلّ، بما فيها تموضعاتها وخياراتها، علماً أنّ الحزب لم يسلك نهج “المحاسبة الداخلية” إسوةً بـ”تيار المستقبل” على سبيل المثال، منعاً لتحميل مسؤولية التقصير والخسارة لأحد يمكن أن يصبح “شمّاعة”، في حين أنّ رئيس الحزب نفسه كان مقتنعاً بالمسار الانتخابيّ العام، بل كان يدير تفاصيله وفق ما يروي البعض.

وعلى الرغم من أن الخطوات التي تقدم عليها القيادة “الكتائبية” اليوم قد لا تكون “شعبوية”، بعكس الخطوات التي اتخذتها إبان الحكومة الأخيرة، ثمّة في المطبخ “الكتائبي” من يقول إن العودة إلى السلطة، ولو “كيفما كان”، باتت تشكّل حاجة وضرورة لاستعادة بعضٍ من الشعبيّة بشكلٍ أو بآخر. ويستدّل هؤلاء على وجهة نظرهم انطلاقاً من تجربة الحريري نفسه الذي أسهمت عودته إلى السلطة، إلى جانب أزمة استقالته الشهيرة، إلى استعادة الكثير ممّا فقده خلال فترة “غربته القسرية” التي انهارت خلالها شعبيّته بشكلٍ كبيرٍ، وبشهادته، وهو ما أدّى إلى تقليص حجم خسائره في الانتخابات إلى حدّها الأدنى.

لكن، وعلى الرغم من كلّ المؤشّرات التي توحي بأنّ “الكتائب” على قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى الحكم والدخول في حكومة العهد الأولى، من دون أيّ شروط، ولو بحقيبة دولة، يصرّ “الكتائبيون” على أنّ الأمر لم يُحسَم بعد، بانتظار بلورة صورة الحكومة وبرنامجها في الحكم، على اعتبار أنّ الأمر برمّته لا يزال خاضعاً للمفاوضات، التي لا أحد يستطيع أن يتكهّن منذ الآن بالمسار الذي يمكن أن تذهب إليه. وأبعد من ذلك، يرفض “الكتائبيون” الحديث عن “انقلاب” أياً كان منحى الأمور خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، على اعتبار أنّهم لم يرفضوا يوماً البحث بالمنصب الوزاريّ إذا كان يخدم سياستهم، حتى في الحكومة السابقة التي شكّلوا معارضة شرسة وفاعلة لها، بدليل أنّهم بقوا يفاوضون حتى اللحظة الأخيرة، حين رفضوا ما عُرِض عليهم، لاعتبارهم وقتها أنّه لم يكن يتناسب وحجمهم التمثيليّ، خصوصاً في ظلّ “تضخيم” حصص غيرهم بشكلٍ مبالَغٍ به.

انقلاب على المبدئية؟!

صحيحٌ أنّ الخطوات “الكتائبية” الأخيرة شكّلت مفاجأة للكتائبيّين أنفسهم قبل غيرهم، خصوصاً لجهة تسمية الحريري لتأليف الحكومة، بعدما حوّل الأخير الخلاف السياسيّ مع “الكتائب” إلى “شخصيّ” مع النائب الجميل بشكلٍ لا يليق برئيس الوزراء أولاً وأخيراً.

إلا أنّ “الكتائبيين” لا يعتبرون ما حصل “انقلاباً على المبادئ والثوابت”. برأيهم، الدخول إلى الحكومة إذا سنحت الفرصة ليس خطأ خصوصاً إذا ترافق مع نوايا بالتغيير الحقيقي، وإنما الخطيئة بل الجريمة التحوّل داخل الحكومة إلى شهود زور على أيّ ممارسات فاسدة أو شاذة. وفي هذه الحال فقط، يمكن انتقاد “الكتائب” أو حتى “رجمها”، على ذمّة “الكتائبيين”، الذين يمهّدون بذلك لاستعادة تجارب “المعارضة من الداخل” التي خبرها اللبنانيون حدّ الاستسلام لمخاطرها…

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …