الوطني الحُرّ والقوّات في قفص الإتهام…

منذ تسريب بنود “تفاهم معراب” التي كانت خارج التداول الإعلامي حتى الأمس القريب تعالت أصوات العديد من القوى والشخصيّات السياسيّة في لبنان التي تتهم كلاً من “التيّار الوطني الحُرّ” وحزب “القوّات اللبنانيّة” بخرق الدُستور من خلال تحديد الحصص الوزاريّة لكل منهما بعيدًا عمّا تُحدّده القوانين اللبنانيّة الخاصة بعمليّة تشكيل الحُكومات، وبإلغاء الآخرين من خلال اللجوء إلى إتفاق مصالح ثُنائي بينهما على حساب باقي القوى السياسيّة على الساحة المسيحيّة، وبالدخول في تفاهم تقاسم لمغانم السُلطة من دون أي بُعد سياسي. فهل هذه الإتهامات صحيحة؟.

في البند الثالث من الإتفاق المكتوب المذكور أعلاه، جاء في الفقرة “أ”: “يُعتبر إعلان النوايا الذي أقرّه الطرفان في 2 حزيران 2015 في الرابية(1) جزءًا لا يتجزأ من محضر هذا الإجتماع، كما يُعتبر هذا الإعلان بمثابة العناوين الرئيسية لسياسة العهد الجديد الرسميّة(…)” الأمر الذي يدحض التهم الموجّهة بشأن غياب البُعد السياسي لتفاهم “التيّار” و”القوّات”.

وتضمّنت الفقرة “د” من البند الثالث أيضًا، تعهّدًا بتوحيد جُهود الطرفين من أجل إقرار قانون إنتخابي جديد يقوم على إحترام صحّة التمثيل وعدالته لجميع الطوائف، وهما وضعا خارطة طريق لتحقيق هذا الهدف من بينها التوافق على إعتماد النظام النسبي في أي من القوانين المُقترحة، الأمر الذي يُثبت أنّ نيّة الإلغاء للقوى السياسية الصغيرة غير موجودة، لأنّ القوانين النسبيّة تسمح بتمثيل من يملك الحد الأدنى من الدعم الشعبي، بعكس قوانين “الإنتخاب الأكثري” التي تسمح لأغلبيّة من 51 % من الأصوات بسحق أقليّة من 49 %. وقد أثبتت نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة أنّ كلاً من “التيّار الوطني الحُرّ” وحزب “القوات اللبنانيّة” نالا مُجتمعين نحو 80 % من أصوات الناخبين المسيحيّين الذين شاركوا في الإنتخابات، في مُقابل نيل كل الأفرقاء الآخرين من أحزاب وشخصيّات مناطقيّة ومُستقلة نحو 20 %. وبالتالي، لو كان المنطق الإلغائي هو الطاغي لدى كل من “التيار” و”القوات” لكانا توافقا على خوض الإنتخابات وفق قانون أكثري، وليس وفق قانون نسبي يسمح للآخرين بالتمثّل بقدر حجم وجودهم الشعبي.

أكثر من ذلك، إنّ كلاً من “حزب الله” و”حركة أمل” خاضا الإنتخابات بلوائح موحّدة في كل الدوائر التي شاركا فيها لقطع الطريق على الآخرين، وهما يُصرّان على حصر التمثيل الوزاري الشيعي بهما وحدهما، و”الحزب التقدمي الإشتراكي” يريد حصر التمثيل الوزاري الدرزي به وحده أيضًا، و”تيّار المُستقبل” يسعى بدوره إلى حصر التمثيل الوزاري السُنّي به وحده أيضًا وأيضًا، بحيث أنّ التصويب على سعي كل من “التيّار” و”القوات” لحصر التمثيل الوزاري المسيحي بهما لا يخرج عن السياق العام السائد في لبنان في ما لو كان صحيحًا، علمًا أنّ المُفاوضات مفتوحة لتمثيل “تيّار المردة” وحزب “الطاشناق” وربّما حزب “الكتائب” وآخرين، ما ينفي السعي لحصر التمثيل، لكن من دون إسقاط حقّ كل من “التيّار” و”القوات” بالحُصول على التمثيل الأوسع والأكبر نتيجة الأرقام التي حصلا عليها، كلّ على حدة، في الإنتخابات الأخيرة.

بالنسبة إلى ما ورد في الفقرة “هـ” من البند الثالث من “تفاهم معراب” بشأن “توزيع مراكز الفئة الأولى في الإدارات الرسميّة والمؤسسات العامة ومجالس الإدارة العائدة إلى المسيحيّين، بما فيها المراكز القيادية الأولى في المؤسسات الرسميّة بالإتفاق بين الطرفين…” فهو لا يخرج عن السياق المُتبع في لبنان منذ عُقود طويلة، من قبل مُختلف القوى السياسية والطائفية الرئيسة. ومن المعروف أنّ كل التعيينات الأساسيّة في البلاد لا تتم إلا بموافقة من القوى السياسيّة المعنيّة، ووفق توزيع طائفي ومذهبي دقيق، وهذه ثغرة يُعاني منها لبنان بكل فئاته وهي ليست محصورة بممارسة إبتكرها “التيّار” و”القوات”، علمًا أنّ هذين الأخيرين أضافا عبارة مُهمّة جدًا إلى مسألة التعيينات، لجهة ضرورة أن تتمّ “وفقا لمعايير الكفاءة والنزاهة، ومع إحترام الآليّة المُقرّرة في مجلس الوزراء…” ما يعني عدم الإكتفاء بتقاسم طائفي أو سياسي للمناصب كما يُشاع.

وبالتالي، إنّ كل التهم التي تتحدّث عن خرق للدُستور تتنكّر لممارسات مُعتمدة في لبنان منذ عُقود، وهي تتطلّب توافقًا لبنانيًا عامًا لوقفها، وليس حصر الإستثناء بكل من “التيّار” و”القوات”، فيما باقي القوى السياسيّة تُعيّن من تشاء وتُقصي من ترغب! وكل التهم التي تتحدّث عن إلغاء للآخرين تتنكّر لواقع الأرقام التي سُجّلت في الإنتخابات النيابيّة، وتتنكّر أيضًا لسعي “التيّار” و”القوات” لإقرار القانون النسبي الذي يُعطي كل صاحب حقّ حقّه التمثيلي الشعبي. وكل التهم التي تتحدّث عن إتفاق مصالح لا بُنود سياسيّة فيه لم تقرأ التفاهم ولا بنوده إلا بشكل مُجتزأ ومشوّه.

وفي الخُلاصة، إنّ التهم المُوجّهة إلى كل من “التيّار” و”القوات” تنطلق من خلفيّات سياسيّة واضحة من جانب مجموعة من القوى الصغيرة ومن الشخصيّات المحدودة التمثيل التي تكشّف حجمها الحقيقي في الإنتخابات، وهي تُحاول إثارة الغبار في الجوّ للتغطية على ضعفها. ولعلّ التهمّة الوحيدة التي يجب أن تُوجّه إلى كل من “التيّار” و”القوات” تتمثّل في التنصّل من تطبيق العديد من البُنود، الأمر الذي أسفر عن تدهور العلاقة بين الطرفين مُجدّدًا، وأدى إلى إنعدام الثقة لدى القسم الأكبر من المسيحيّين بإمكان عمل القوى المسيحيّة الرئيسة كفريق مُنسجم وقوي يحفظ حُقوق الطائفة التي كانت تاريخيا المُدافع الأول عن الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها.

(1)تضمّن إتفاق “إعلان النوايا” الذي جاء بعد أشهر طويلة من المُفاوضات بين “التيّار” و”القوّات”، مجموعة كبيرة من المبادئ السياسية التي تُشدّد على إعتماد المبادئ السياديّة والإلتزام بمُرتكزات وثيقة الوفاق الوطني وعلى تعزيز مؤسسات الدولة ودعم الجيش وإلتزام سياسة خارجيّة مستقلّة، وعلى إحترام قرارات الشرعيّة الدَوليّة وإيجاد حلّ لمشاكل النزوح وضبط النزوح، إلخ.

ناجي س. البستاني

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …