بين “التكنوقراط” و”التكنو-سياسية”… هل من مَخرَج “واقعي” للأزمة اللبنانيّة؟!

منذ اليوم الأول لاستقالة الحكومة، لا تزال الأزمة تراوح مكانها، ولا يزال جميع الفرقاء عالقين بين فكرتيْن تبدوان متناقضتيْن شكلاً ومضموناً، وهما حكومة التكنوقراط التي يصرّ عليها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، مستنداً إلى ما يقول إنّه صوت الشعب، والحكومة التكنو-سياسية التي يريدها رئيس الجمهورية ميشال عون، ومعه الأكثرية النيابية المؤلفة من الثنائي الشيعي و”التيار الوطني الحر”.

هذا التناقض ثبّته رئيس الجمهورية ميشال عون في رسالته الخاصة عشيّة عيد الاستقلال. كان الرجل يفضّل أن تتضمّن كلمته خريطة طريق للحلّ، بدءاً من تحديد موعدٍ للاستشارات، إلا أنّه لم يفعل تحت عنوان “التأنّي لتلافي الأخطر”، ولأنّ المطلوب “حكومة تكون على قدر كبير من الفعالية والإنتاجية والانتظام”، على حدّ ما قال، خصوصاً أنّ “التحديات التي تنتظر لبنان ضخمة”، وهو ما ليس خاضعاً للجدل أصلاً.

ولكن، هل من مَخرَجٍ في الأفق للأزمة في ظلّ الحديث المستمرّ عن اتصالاتٍ مقطوعةٍ من هنا، وتعنّتٍ وعنادٍ من هناك؟ وهل تنحصر الأزمة فعلاً في التمييز بين “تكنوقراط” و”تكنو-سياسية”؟!.

خيارات محصورة…

توحي كلّ الوقائع والمعطيات السياسية بأنّ الأزمة الحكوميّة لا تزال تراوح مكانها، بل يذهب بعض المتشائمين إلى القول إنّها تراجعت في الأيام القليلة الماضية إلى ما دون الصفر، بفعل “القطيعة” التي وقعت بين “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر”، وبالتالي بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة المستقيل سعد الحريري، والتي ترجمت بوضوح من خلال “حرب” البيانات غير المسبوقة التي دفعت كثيرين إلى “نعي” التسوية الرئاسية.

بيد أنّ من يراقب مسار الأزمة منذ يومها الأول، يدرك أنّ المشكلة الفعلية لم تتغيّر قيد أنملة وهي تتعلق بطبيعة الحكومة التي ينوي الفرقاء تشكيلها، علماً أنّ الخيارات تبدو محصورة بثلاثة، لا توافق على أيّ منها حتى الساعة، وفي مقدّمها حكومة التكنوقراط التي يريدها رئيس الحكومة، بمُعزَلٍ عن كلّ الأحزاب السياسية، ترجمةً لما يطالب به الحراك الشعبيّ منذ اليوم الأول، الأمر الذي يرفضه كلّ من “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” و”حركة أمل”.

أما الخيار الثاني، والذي يبدو لكثيرين الأقرب إلى الواقع، ولو بصورة نسبية، فيحمل عنوان “الحكومة التكنو-سياسية”، بحيث تتألف من وزراء “تكنوقراط” من الخبراء في مجالاتهم، وفق قاعدة “الرجل المناسب في المكان المناسب”، والتي لطالما غُيّبت عن تشكيل الحكومات في لبنان، جنباً إلى جنب عددٍ محدودٍ من الوزراء السياسيّين، الذين يمثّلون بشكلٍ أو بآخر، الأحزاب الفاعلة التي يفترض أن تمنح الحكومة الثقة، خصوصاً أنّ التحدّيات السياسية والاستراتيجية التي تنتظر الحكومة ليست هامشية، بل تكاد توازي في الأهمية والحجم تلك الاقتصادية والاجتماعية.

ويبقى الخيار الثالث، والذي يبدو الحلّ الوحيد في حال استمرار “القطيعة” بين أركان الحكم، ولو أنّ أسهمه منعدمة حتى إشعارٍ آخر، وهو خيار الذهاب إلى حكومة “اللون الواحد”، بمُعزَلٍ عمّا إذا كان هذا “اللون” ناجماً عن الرغبة بالتحدّي والمواجهة، أو مجرّد نتيجة لرفض عددٍ من الفرقاء المشاركة في الحكومة. ومع أنّ هناك من بدأ التلويح بهذا الخيار، بوصفه “شراً لا بدّ منه”، فإنّ كلّ الأجواء تؤكد أنّ اللجوء إليه لا يزال مُستبعَداً، لاقتناع المعنيّين بأنه سيكون بمثابة “عملية انتحارية” لن ينفع بعدها الندم.

الواقعية المطلوبة!

قد يكون استبعاد حكومة اللون الواحد أو المواجهة ينمّ عن واقعيّةٍ نسبيّةٍ في مقاربة الأزمة السياسية التي يتخبّط بها لبنان، إلا أنّ هذه الواقعيّة تبدو “الغائبة الأكبر” عن المقاربة العامة المُستخدَمة في تقييم كلّ الخيارات المطروحة، علماً أنّ الكثير من علامات الاستفهام يجب أن تُطرَح في هذا السياق، بما يقود حتمياً إلى “مَخرَجٍ” لم يعد أحد يمتلك “ترف الانتظار” حتى تنضج ظروفه في مكانٍ ما.

فعلى سبيل المثال، يتمسّك رئيس الحكومة المستقيل بحكومة “التكنوقراط”، رافضاً البحث بأيّ صيغةٍ أخرى، مستنداً إلى أنّ هذه الحكومة هي مطلب الحراك الشعبيّ، ولا بدّ من الاستماع إلى صوت الشعب. ولكن، ثمّة من يطرح علامات استفهامٍ بالجملة حول هذه النقطة بالتحديد، فمن هم الوزراء “التكنوقراط” الذين ستتألف منهم الحكومة؟ وإذا كان منطقياً الرهان على عقولٍ لبنانيّةٍ مغيَّبةٍ عن صنع القرار، يستفيد منها الخارج أكثر من الداخل، هل من المنطقيّ التسليم بـ”الاستقلاليّة المطلقة” لهؤلاء سياسياً؟ وهل من لبنانيّ أصلاً لا يمتلك الحدّ الأدنى من الفكر السياسيّ، خصوصاً في مقاربة قضايا استراتيجية كبرى بحجم الوطن، على غرار صراع المَحاوِر، والعلاقة مع الدول الشقيقة والصديقة، فضلاً عن سلاح “حزب الله” وغيره؟ أيّ “أجندةٍ” ستنفّذها الحكومة في هذه الحال، أم ستعتبر نفسها “مستقلّة” عن السياسة وشجونها؟!.

وبموازاة هذه الأسئلة، أسئلةٌ أخرى تُطرَح على القوى السياسية المصرّة على فكرة الحكومة “التكنو-سياسية”، انطلاقاً من عدم استيعابها حتى الآن لحجم النقمة الشعبية على أدائها في السلطة على مرّ السنوات الماضية، فهل ثمّة رهان على تململ المتظاهرين وانتهاء الحراك بشكلٍ أو بآخر؟ وإذا كانت هذه القوى بمجملها تعترف بأحقية المطالب التي ينادي بها الناس، فلماذا لا تقرّ بعجزها وتنكفئ تلقائياً، لتفسح المجال أمام تجارب جديدة، طالما أنّها لم تستطع خلال وجودها الطويل في سُدّة المسؤولية التصدّي للأزمات الوجوديّة الكبرى؟.

وأبعد من ذلك، وربما أهمّ منه، ألا “تَمون” هذه القوى على شخصيّاتٍ مستقلّةٍ، بمعنى أنها تدور في فلكها من دون أن تكون حزبية، قادرة على تمثيلها من داخل مجلس الوزراء بشكلٍ أو بآخر، علماً أنّ عدداً من الوزراء في حكومة تصريف الأعمال قد ينتمون إلى هذه الفئة، وفي مقدّمهم مثلاً وزير الصحة جميل جبق؟ ومن يعتقد أنّ وجود “حزب الله” الصريح في الحكومة هو سلاح لمواجهة العقوبات، التي سبق أن طالت نواباً تابعين له، وهو في أوج حضوره النيابيّ والوزاريّ؟!.

حكومة إنقاذ!

الواقعيّة هي أساس الحلّ. قد يكون مطلوباً من الجميع، في الحكومة والمعارضة والحراك على حدّ سواء، التقيّد بهذه القاعدة قبل كلّ شيء، تمهيداً للوصول إلى أيّ حلّ يجنّب البلاد المزيد من الانهيار.

تتطلّب هذه الواقعة من الأحزاب السياسيّة مقاربةً مختلفةً، وكذلك من الحراك، بعيداً عن “عزل” هذا أو ذاك، حتى لا يتحوّل الأمر إلى “عرف”، فتتشكّل مثلاً حكومة مستقلّة، تنقلب عليها الأحزاب سريعاً، وهي القادرة على الحشد في الشارع، ولو تحت شعار “لبّيك أيّها الزعيم”.

الواقعيّة هي أساس الحلّ، وأساسها يبقى أنّ المطلوب حكومة إنقاذ بكلّ معنى الكلمة، بعيداً عن كلّ التفاصيل المُعتادة، حول حصّة هذا الفريق أو الامتيازات الممنوحة لذاك، حكومة تضع نصب أعينها إنقاذ لبنان، ولا تتحوّل إلى ساحة حربٍ داخليّة، كما كان يحصل في السابق…

 

حسين عاصي

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …