بين الهبات والقروض… مؤتمر سيدر لابعاد لبنان عن ايران

انتهى مؤتمر “سيدر” الذي عقد في فرنسا، وتم تخصيصه لمساندة لبنان على الصعيدين الاقتصادي والاستثماري بعد مؤتمر روما-2 الذي خصص لمساعدة الجيش والقوى الامنية. مليارات من الدولارات اغدقت على لبنان من اكثر من دولة صديقة وشقيقة، غالبيتها العظمى قروض يتم منحها على مدى قصير (5-6 سنوات)، فيما القسم اليسير اُعطي كهبة… الدولة رأت في الموضوع “انجازاً” مهماً لها، فيما اعتبر بعض الخبراء الاقتصاديون ان المسألة لا تعدو كونها اغراق لبنان بالمزيد من الديون، فيما رأى آخرون انه اذا كانت الاصلاحات التي تحدثت عنها الحكومة جدية، فمن الممكن احداث نقلة نوعية في الوضع الاقتصادي الذي يعاني من ركود غير خفي.

ولكن، بين هذين النظرتين، هناك من رمى بعض الاسئلة البعيدة عن الاقتصاد والمال والاعمال، والمحصورة بالشق السياسي. استند هذا البعض الى امور بديهية واضحة ومنها على سبيل المثال، عدم حضور ايران للمؤتمر وهي التي تعتبر من الدول “الصديقة” للبنان، واعربت اكثر من مرة عن استعدادها لمساعدته في شتى المجالات، فيما اكتفت روسيا بالاهتمام بالشق العسكري من خلال قرضها البالغ مليار دولار بشروط تسهيلية لشراء معدات عسكرية للجيش.

غياب ايران مردّه الى عاملين اثنين: الاول ينحصر في كونه محاولة لا لبس فيها لاعادة التوازن لميزان القوى الاقليمي في لبنان، بعد ان تنامت القدرة السياسية لحزب الله الى خارج الحدود اللبنانية بفعل الدور الذي لعبه في سوريا. والثاني يتمثل في القول ان هناك رغبة دولية في ابعاد لبنان عن ايران، وان اجتماع اضداد في السياسة الخارجية على طاولة واحدة لدعم لبنان، هو للتشديد على استعداد الدول للتدخل عند الحاجة لمنع ايران من التدخل في هذا البلد. الرسالة الثانية اكثر وضوحاً ومباشرة، اذ لا يمكن لفرنسا او غيرها من الدول الاوروبية التذرع بأن عدم مشاركة ايران يعود الى خلافات سياسية، فالخلاف الاوروبي مع روسيا اكبر بكثير واتخذ خطوات عملية تصعيدية لم تحصل مع طهران، ومع ذلك بقيت روسيا على الطاولة وشاركت في الدعم كما سبق واشرنا.

ولكن الخلاف الاميركي-الايراني والسعودي-الايراني لا يمكن حجبه، وهذا ما ادى بشكل اساسي الى غياب الايرانين عن المؤتمر الداعم للبنان. ووضع الكثيرون ايضاً رد حزب الله على هذه الخطوة عبر المواقف والقرارات التي اتخذها قبيل انعقاد المؤتمر وخلال الحملات الانتخابية. ففي المؤسسات الرسمية، تدخل الحزب بقوة في مجلس الوزراء لضمان عدم استهدافه من خلال هذه القروض او ممارسة انواع من التمييز لمناطق “محسوبة” عليه قد يتم حرمانها من “نعمة” النهضة الموعودة. وبعد تلقيه التطمينات اللازمة، وجّه الحزب رسالة اخرى عبر الحملة الانتخابية، مشدداً على انه وبعد سنوات من “النأي بالنفس”، سيدخل على خط محاربة الفساد بشكل جدي، وان على مؤيديه ومناصريه انتخاب كامل مرشّحيه لضمان تنفيذه هذا البند، من خلال المراقبة والمساءلة وغيرها من الامور… وقد ظهرت جدية هذه المسألة من خلال التركيز غير المسبوق على نقطة محاربة الفساد، علماً ان هذه المسألة ليست بجديدة، بل قديمة وتفاقمت عبر سنوات طويلة دون ان يدخل الحزب على خطها بهذه القوة.

غياب ايران عن المؤتمر لم يخفّف منه حضور روسيا ومشاركتها فيه، وبالتالي، فإن الرسائل المتبادلة لا تزال حاضرة على الساحة اللبنانية، والمعارك غير العسكرية والامنية ستبقى في الاجواء وستشهد انتصاراً من هنا لهذه الجهة، وخسارة لها من هناك فيما لم يتم حسم الحرب كالعادة، وسيبقى اللبنانيون يسيرون على خيط رفيع الى ان تظهر الخريطة الجديدة للمنطقة وينقشع الضباب عنها.

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …