تكبيل سُلطة الحريري… بدبلوماسيّة!

إستمرار الفشل في ولادة الحُكومة الجديدة ليس ناجمًا من تمسّك البعض بوزارة هنا أو بحقيبة هناك-كما يظنّ الكثيرون. صحيح أنّ معركة الحُصص والحقائب مُهمّة، لكنّها تخفي وراءها صراعًا سياسيًا كبيرًا على السُلطة في لبنان، بين أكثر من فريق إنبثق من رحم فريقي “8 و14 آذار”-إذا جاز التعبير. وهذا الصراع بالتحديد هو الذي يؤخّر حاليًا ولادة الحُكومة، حيث تُوضع اللمسات الأخيرة على تقسيم السُلطة لمرحلة من الأرجح أن تستمرّ حتى تاريخ الإنتخابات النيابيّة المُقبلة في العام 2022.

بداية لا بُد من التذكير أنّه عند إعلان حُكومة تصريف الأعمال الحالية بعد إنتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجُمهوريّة اللبنانيّة، تحدّث الكثيرون عن بداية مرحلة سياسيّة جديدة في لبنان، وفق موازين القُوى التي تغيّرت في لبنان سوريا والمنطقة عُمومًا، حيث تراجعت حصّة “تيّار المُستقبل” والقوى التي كانت مُتحالفة معه إلى 13 وزيرًا من أصل ثلاثين، في مُقابل 17 وزيرًا للفريق الآخر الذي يضمّ كلاً من “التيّار الوطني الحُرّ” وقوى “8 آذار”، وذلك بعد أن كانت هذه القُوى الأخيرة تُمارس شتّى أنواع الضُغوط السياسيّة والإعلاميّة والإعتصامات الشعبيّة وغيرها للحُصول على النصف زائد واحد فقط، أي على 11 وزيرًا في الحُكومات الثلاثينيّة السابقة. ويبدو أنّ هذه المرحلة السياسيّة تزداد وُضوحًا اليوم، حيث تجري حاليًا مُحاولات جدّية لتقليص نُفوذ “تيّار المُستقبل” والقوى التي كانت تُشكّل معه “تحالف 11 آذار” إلى 11 وزيرًا في أفضل الأحوال، تحت حجج مُختلفة.

فبعد عمليّة “شدّ حبال” كبيرة رفضًا لحُصول “الحزب التقدّمي الإشتراكي” على ثلاثة وزراء، بحجّة عدم جواز حصر الشرعيّة الميثاقيّة لطائفة الموحّدين الدُروز بحزب سياسي واحد، وكذلك بحجّة حقّ “كتلة الجبل” التمثّل بوزير تختاره وتحديدًا برئيس “الحزب الديمقراطي اللبناني” الوزير طلال أرسلان، وافق رئيس الحزب “الإشتراكي” وليد جنبلاط على أن يتم إختيار الوزير الدرزي الثالث بالتوافق بين مُختلف القوى السياسيّة، قبل أن يتسرّب في الأيّام القليلة الماضية أنّ هذا الوزير “الوسطي” سيتمّ إختياره من غير اللائحة التي رفعها جنبلاط، وأنّه سيكون ميّالاً إلى حدّ ما إلى غير الفريق الذي يُمثّله “الإشتراكي”.

وعلى خطّ مُواز، وبعد “كباش” حاد مع حزب “القوّات اللبنانيّة” لتحديد عدد وزرائه بأربعة فقط، جرت في الأيّام الماضية مُحاولات عدّة لتمرير حصّة وزاريّة للقوّات، تقلّ قيمة من حيث أهمّية الوزارات عن حصّة “القوات” في حكومة تصريف الأعمال الحالية(1)، على الرغم من أنّ عدد نوّابها تضاعف من 8 إلى 15 نائبًا. وفي حين إعتبرت “القوّات” أنّها تنازلت عن حقّها بنيل إحدى الوزارتين “السياديّتين” من حصّة الفريق المسيحي كونها القُوّة السياسيّة المسيحيّة الثانية، وأنّ من حقّها من جهة أخرى نيل إحدى الوزارات الخدماتيّة الموزّعة مناصفة بين الأحزاب المسيحيّة والإسلاميّة، إعتبر “التيّار الوطني الحُرّ” أنّ نيل “القوّات” منصب نائب رئيس الحُكومة هو تنازل بحدّ عينه كون هذا المنصب هو بالعرف من حق رئيس الجُمهوريّة، وأنّ وزارة العدل هي ضرورية للعهد لإدارة سُلطة القضاء، وأنّه بإمكان “القوات” المُطالبة بوزارة الأشغال كوزارة خدماتيّة أساسيّة، الأمر الذي رأت فيه هذه الأخيرة تراجعًا عن تعهّدات سابقة، ومُحاولة للإيقاع بين “القوات” و”المردة”.

وفي السياق عينه، وبعد أن كان “تيّار المُستقبل” يتجاهل المُطالبات الخجولة السابقة بضرورة تمثيل النوّاب السنّة الذين لا يُغرّدون تحت جناحيه، فوجئ رئيس الحُكومة المُكلف سعد الحريري خلال الساعات الماضية بضُغوط سياسيّة جدّية تدفع نحو تنازله عن أحد المقاعد السنّية لصالح هذه القُوى. وقد حاول “المُستقبل” التسويق لفكرة أن يقترح رئيس الجمهوريّة إسم الوزير السنّي الذي يريده، من حصّته، طالما أنّه يوجد إتفاق على أن يختار الحريري بدوره شخصيّة مسيحيّة لتوزيرها من حصّته أيضًا، لكنّ هذا الإقتراح أجهض فورًا بحجّة أنّ رئيس الجمهورية سيختار شخصيّات غير مُنحازة سياسيًا إلى هذا الفريق أو ذاك، وإستمرّت المُطالبات بأن يكون توزير النوّاب السُنّة من خارج “تيّار المُستقبل” من الحصّة السنّية الخاصة برئيس الحُكومة المُكلف وليس من حصّة الرئيس، أي عمليًا دَفع الحريري إلى الحُصول على 4 وزراء سنّة فقط إضافة إلى وزير مسيحي.

وبالتالي، في حال مُوافقة كل من “المُستقبل” و”القوات” و”الإشتراكي” على ما هو مطروح عليهم، فهذا يعني أنّهم سيحصلون مُجتمعين على 11 وزيرًا فقط (بينهم رئيس الحكومة نفسه) من أصل ثلاثين وزيرًا(2)، ما يعني تقلّص نُفوذ هذه الأحزاب الثلاثة أكثر فأكثر، في خط تراجعي شديد الوُضوح منذ العام 2005 حتى اليوم. أكثر من ذلك، إنّ ما تسرّب من معلومات بشأن الحقائب التي سينالها هذا “الثُلاثي” يؤكّد الإستحواذ على وزارة سياديّة واحدة من أصل أربعة، هي وزارة الداخليّة في مُقابل كل من الدفاع والمالية والخارجية للآخرين، والإستحواذ على وزارة خدماتيّة واحدة من أصل خمسة هي وزارة الإتصالات، وربما أيضا وزارة التربية في أفضل الأحوال، في مقابل الأشغال والصحّة والطاقة للآخرين الذين سينالون أيضًا وزارة العدل الأساسيّة جدًا.

وفي الخُلاصة، وفي حين أنّ “التيّار الوطني الحُرّ” يسعى بكامل قُوّته إلى توسيع نُفوذه في السُلطة، لأنّ العهد الحالي محسوب عليه، وأي نتائج ستنتج في نهايته، أكانت إيجابيّة أم سلبيّة، ستُرافق سمعة “التيّار” لفترة طويلة، يبدو أنّ فريق “8 آذار” بقيادة “حزب الله” يتقاطع مع “التيّار” في تقليص نُفوذ كل من “المُستقبل” و”القوّات” و”الإشتراكي”، وذلك بهدف تثبيت ما يعتبره إنتصارًا سياسيًا تحقّق لهذا الفريق خلال الإنتخابات الأخيرة، وبالتالي بهدف تكبيل سُلطة الحريري التنفيذيّة قدر المُستطاع… ولوّ بأسلوب دبلوماسيّ!.

(1)يشغل حزب “القوّات” منصب نائب رئيس الحُكومة، ووزرارات الصحّة والشؤون الإجتماعيّة والإعلام، علمًا أنّ وزير الدولة ميشال فرعون إحتسب في حينه وزيرًا حليفًا من حصّة “القوات”.
(2)5 للمُستقبل و4 للقوات و2 للإشتراكي.

 

ناجي س. البستاني

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …