جمال خاشقجي اغرق السعودية في الديون

كان اسم الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي متداولاً على صعيد محصور في الاروقة السياسية والاعلاميّة، خصوصاً وانه كان يكتب في صحيفة “واشنطن بوست” الاميركية، واستفادت منه وسائل الاعلام هناك لتعزيز حربها على الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي بادلها العداء منذ ما قبل تسلّمه مهامه كرئيس للولايات المتّحدة الأميركية.

ولكن، بعد دخول خاشقجي القنصلية السعوديّة في تركيا وعدم خروجه منها منذ اكثر من اسبوعين، اصبح الصحافي السعودي على كل شفة ولسان، واخذت قضيته منحى دراماتيكياً وباتت ككرة الثلج التي لا تتوقف عند اي حاجز في طريقها. اليوم، بات من المؤكد ان خاشقجي قد فارق الحياة، ولا يهمّ الاسلوب الذي اعتمد لقتله أكان بالتعذيب ام بالصدفة ام بالتخطيط… لأن النتيجة واحدة، وهي ان السعودية وجدت نفسها غارقة في الديون التي يجب عليها ان تدفعها بشكل فوري، ليس فقط على الصعيد المادي بل على الصعيد السياسي ايضاً للخروج من هذه الدوامة.

المستفيدون من الضرر السعودي كثيرون، ولكن حصة الاسد دون شك محصورة باثنين: الولايات المتحدة وتركيا. ترامب بدأ يصل للغاية المرجوّة لديه، وهي الحصول على المزيد من الاموال دون عناء كبير، حيث ستتدفق على بلاده دون أيّ تردد وبكميات كبيرة، وقد اخذت الامور مجراها الطبيعي في هذا المجال، بدليل تغيير لهجة الرئيس الأميركي حول ضلوع السعودية، ودفاعه عن النظام السعودي. وقد كان لافتاً ان التحرك الجدي الرسمي للاميركيين أتى بعد اكثر من اسبوعين على الحادثة، وليس قبل، ما يترك الكثير من علامات الاستفهام حول الموضوع.

على خط آخر، تجد تركيا نفسها امام فرصة ذهبيّة لوضع يدها على ورقة مهمّة تجعلها صاحبة الكفّة الراجحة في المنافسة مع المملكة على زعامة السنّة في المنطقة. فبالاضافة الى الربح المادي الذي ستناله، سيكون لتركيا دور اكبر في المنطقة دون ممانعة سعوديّة، ويبدو وكأن انقرة هي التي تحمي الرياض من السقوط، في مقابل المشاركة في ابقاء الغطاء على المسؤولين السعوديين من خلال التحقيقات المشتركة التي وافقت تركيا على اجرائها مع السعودية في القضية. وبذلك، تكون تركيا قد حقّقت مكسبين: الاول انها حافظت على صورتها السياديّة في قضية بالغة الحساسيّة، والثانية انها حققت من خلال هذه المسألة، ما عجزت عن تحقيقه لسنوات لجهة الظهور بمظهر المتفوّق على السعودية، وهو امر سيكسبها رصيداً اضافياً في المنطقة يزاد الى ما تقوم به من تحركات عسكريّة في سوريا واتفاقات مع الجانبين الروسي والايراني لترسيخ وجودها الفاعل ودورها الاقليمي. اضافة الى ذلك، كسبت انقرة ايضاً خطاً مباشراً مع واشنطن بعد تذبذب العلاقات بينهما وتوترها، ونجح خاشقجي في التقريب بينهما اذ حط وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو في العاصمة التركية وبحث مع المسؤولين الاتراك هذه القضية، بعد خطوات ملموسة لردم الهوة القائمة منذ فترة بسبب الخلاف الاقتصادي ومنها على سبيل المثال اطلاق سراح القس الاميركي اندرو برانسون الذي كان محتجزاً في تركيا.

وبالتالي، ها ان ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، قد تراجع خطوات كبيرة الى الوراء في الخطة الاقتصاديّة التي وضعها والتي رأى انها ستدفع المملكة الى الامام لسنوات طويلة، وبعد أن أمّن التمويل اللازم لهذه الخطة بكافة الوسائل والطرق،  لن تبقى الاموال في مكانها لأنّ قسماً كبيراً منها سيخصص لايفاء الديون المترتّبة على قضيّة خاشقجي والتي لا تحتمل التأجيل ويجب دفعها فوراً، لان ما هو على المحكّ اكبر بكثير من الأموال وبعض التنازلات السياسيّة، فكلام ترامب لا يزال يطنّ في اذن المسؤولين السعوديين لجهة القدرة على صمودهم دون الحماية الاميركية.

طوني خوري

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …