سرقة في وضح النهار… وأخرى في الليل!

“لماذا تُطلقون الرصاص على أرجلكم”؟، “يُمكنكم الذهاب إلى أماكن سياحيّة أخرى تناسب ميزانيّاتكم”، “لبنان بلد ديمقراطي وحريّة، توجد مُنتجعات تبيع عبوة المياه بسبعة آلاف ليرة وتوجد أخرى تبيعها بألفيّ ليّرة، والإختيار مُتاح لكم”، “على كل شخص التأقلم مع وضعه المالي، وعدم الذهاب إلى أماكن لا يتحمّل كلفتها”، “يجب الكفّ عن الإنتقادات والتهجّمات الكلاميّة ضُدّ القطاعات السياحيّة اللبنانيّة في بعض وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الإجتماعي لأنّها تُضرّ بسمعة هذه القطاعات”… هذه عيّنة من العبارات التي غالبًا ما يُطلقها كبار المسؤولين عن القطاع السياحي الخاص في لبنان، خلال المُقابلات الإعلاميّة التي تُجرى معهم، وتحديدًا عندما يتمّ زكزكتهم بأسئلة عن الغلاء الفاحش الذي بات حقيقة ملموسة في عدد كبير من المُنتجعات والأماكن الترفيهيّة والسياحيّة والمُجمعات التجاريّة ومراكز التسوق، على إختلاف أنواعها(1). فهل هم على حقّ، أم أنّ هذا الحقّ هو إلى جانب اللبنانيّين الذين يرفعون الصوت عاليًا ضُد الغلاء المُستشري؟.

صحيح أنّ أسعار الخدمات-كما اسعار المُنتجات، غالبًا ما تكون مُرتبطة بمُعادلة “العرض والطلب” المعروفة تمامًا في علم الإقتصاد، وصحيح أنّ الخيارات المُتاحة أمام اللبنانيّين والسيّاح هي كبيرة ومنوّعة، لجهة توفّر مطاعم ومُنتجعات وفنادق ومراكز تسوّق بأسعار مُتفاوتة بشكل واضح، لكنّ الأصحّ أنّه من الضروري أن يحصل اللبناني أو السائح الذي يدفع أمواله للإستفادة من خدمات معيّنة، على خدمات مُوازية بقيمتها الفعليّة لما دفعه، وألاّ تكون التكاليف التي يتكبّدها عبارة عن مصاريف غير منطقيّة لا تُعبّر سوى عن جشع كبير لبعض رجال الأعمال.

هل من المنطقي مثلاً أن يبلغ سعر إستئجار Bungalow على البحر لليلة واحدة 500 دولار أميركي، أي ما يُوازي قضاء أربعة أيّام في مُنتجع بحري في تركيا مثلاً مع إحتساب قيمة تذكرة السفر؟! وهل من المنطقي أنّ يتمّ تفتيش المُستخدمين بشكل دقيق يفوق تفتيش رجال الأمن العام في المطار، وحتى بشكل مُذلّ ويخرق خُصوصيّات الفرد أحيانًا كثيرة، بهدف منع المُستخدمين الذين هم في نهاية المطاف زبائن المُنتجع المُستعدّين لدفع هذا المبلغ الباهظ، من إدخال أي مأكل أو مشرب أو علبة بسكويت لأطفالهم، وبالتالي بهدف إرغامهم على شراء ما يسدّون به جوعهم ويروون به عطشهم من المُنتجع نفسه، وبأسعار خياليّة تفوق بأضعاف مُضاعفة سعرها في السوق؟!.

هل من المنطقي أن تضع الملاهي الليليّة سعرًا ثابتًا يجب على كل الساهرين دفعه إلزاميًا في نهاية سهرتهم بغضّ النظر عن القيمة الفعليّة لمُشترياتهم؟! فبأي منطق على كل ثُنائي دفع ما لا يقلّ عن 150 دولارًا أميركيًا كضمانة، بمجرّد حجزهما طاولة داخل الملهى، بحيث أنّه في حال بلغت قيمة مُشترياتهما من مأكل ومشرب أقلّ من ذلك، عليهما تسديد القيمة المذكورة أعلاه بالحد الأدنى، أمّا في حال تجاوزت قيمة مُشترياتهما هذا الرقم، فعليهما تسديد المبلغ الإضافي بطبيعة الحال، علمًا أنّ الأسعار الباهظة تُجبر المستخدم إمّا على إعتماد حِمية قاسية خلال سهرته، أو تحضير نفسه لدفع فاتورة بقيمة مرتفعة جدًّا؟!

هل من المنطقي أن يتم إعطاء رخص إستغلال الشاطئ البحري-الذي هو نظريًا من حقّ كل اللبنانيّين، لبعض كبار المُستثمرين، بحيث لم يعد أمام اللبنانيّين الراغبين بالإستفادة من يوم مشمس على شاطئ البحر سوى تحمّل كل التكاليف غير الواقعيّة التي يفرضها القيّمون على المُنتجعات البحريّة، بدءًا بضريبة الموقف الإلزامي، مُرورًا بضريبة تأمين المقاعد والمظلاّت، وُصولاً إلى خُوّة عبوة المياه الباهظة الثمن والتي لا يُمكن الإستغناء عنها حتى من قبل الأشخاص الذين يغطّون في صَوم عميق عن الطعام تجنّبًا لإفلاس مُبكر؟!

هل من المنطقي أن يتمّ منع اللبناني من ركن سيارته بنفسه، حتى في حال توفّر أماكن شاغرة، وإرغامه على دفع 10000 ليرة لبنانيّة في كثير من الأحيان، كبدل خدمة ركن سيارته، دون أن نذكر التجاوزات التي تُرتكب من قبل بعض سائقي هذه الشركات بحقّ سيارات إئتمنوا على قيادتها؟!.

هل من المنطقي أن تفرض الكثير من المطاعم سعرًا ثابتًا يُوازي نصف الحد الأدنى للأجور في مُقابل تناول عائلة تتكوّن من أربعة أشخاص الطعام، بحيث يتم فرض التسعيرة الثابتة في مُقابل تقديم مجموعة كاملة من المأكولات من دون إتاحة الفرصة للزبائن بشراء أوبتناول ما يرغبون به من طعام مُحدّد، وذلك بهدف إرغام روّاد المطعم على دفع مبالغ مالية أعلى، حتى لوّ جرى رمي نصف الطعام المُتبقّي في سلال المُهملات؟!.

هل من المنطقي أن يكون بدل تشغيل لعبة رقميّة في مراكز التسوّق 5000 ليرة لبنانية، وذلك لمدّة زمنيّة تكاد لا تتجاوز الدقيقة الواحدة، بحيث أنّ على الأهل دفع مبالغ طائلة للترفيه مثلاً عن ولدين لبضع دقائق في أي مَجمع تجاريّ؟!.

والأسئلة لا تنتهي… والأكيد أنّ اللبنانيّين الذين يرفعون الصوت عاليًا مُنتقدين الغلاء الفاحش اللاحق بعدد كبير من المُنتجعات السياحيّة والترفيهيّة، لا يفعلون ذلك لأنّهم يُريدون النيل من القطاع السياحي والخدماتي، ولا لأنّهم يريدون تشويه سمعة بلدهم، بل لأنّهم ينشدون مُراقبة جدّية من قبل السُلطات المعنيّة في الدولة لضبط الفلتان الحاصل على مُستوى الأسعار، وليس مجرّد أخذ العلم بلائحة الأسعار! والأهمّ لأنّهم يريدون الحُصول على خدمات تُوازي فعليًا ما يدفعونه من أموال. والأكيد أنّ من حقّ كل لبناني الترفيه عن نفسه، ومن غير المنطقي أن يكون الذهاب إلى مطعم أو إلى مسبح أو إلى مَجمَع تجاري… مَحصورًا بطبقة الأغنياء والمَيسورين، حيث يجب أن يكون هذا الأمر مُتاحًا للجميع، وهو يُمكن أن يكون كذلك في حال توقّف السرقات في وضح النهار وفي الليل أيضًا، وعندها فقط يختار كل لبناني المطعم أو المسبح أو المُنتزه الذي يُفضّله والذي يُناسب ميزانيّته!

(1)أصدر معهد Mercer الدَولي تقريره بشأن “غلاء المعيشة للعام 2018” مُقيّمًا غلاء المعيشة للمُغتربين في 209 مُدن حول العالم، وحلّت بيروت في المركز الرابع كأغلى مُدن منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد كل من دبي وأبو ظبي والرياض.

 

ناجي س. البستاني

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …