سُخونة تصاعديّة بعد بُرودة… و”المُستقبل” مُتخوّف

مع إنتهاء عطلة “عيد الأضحى” والعودة المُنتظرة لرئيس الحُكومة المُكلّف سعد الحريري، وغيره من كبار المسؤولين إلى لبنان، من المُرتقب أن تُعاود الإتصالات على خط تشكيل الحُكومة في ظلّ توقّعات-مبنيّة على وقائع ملموسة، بأن تشتدّ الضُغوط على الحريري لتسريع عمليّة التشكيل، الأمر الذي يعني أنّ البرودة التي سادت خلال الأسابيع الأخيرة على خطّ التأليف ستتحوّل في الأيّام والأسابيع القليلة المُقبلة إلى سُخونة تصاعديّة.

وفي هذا السياق، لا شكّ أنّ تطبيع لبنان الرسمي مع النظام السُوري يتقدّم تدريجًا، على الرغم من مُعارضة رئيس الحكومة وبعض القوى السياسيّة مثل “تيّار المُستقبل” وحزبي “القوات اللبنانيّة” و”التقدمي الإشتراكي”. وقد تجاوزت مساعي التطبيع أخيرًا، مرحلة إستجرار الطاقة الكهربائيّة هنا وإعادة بضع مئات من النازحين هناك، حتى أنّها تجاوزت مرحلة الزيارات السرّية لبعض الوزراء، والتنسيق الأمني واللوجستي القائم بغطاء رسمي بين مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم وبعض القيادات السُورية. وباتت زيارات المسؤولين والوزراء اللبنانيّين إلى سوريا علنيّة، وصارت الإتصالات على أعلى المُستويات بين البلدين، على غرار الإتصال بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس السوري بشار الأسد، وكذلك الإتصال بين قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون ورئيس الأركان في الجيش السُوري وزير الدفاع العماد علي عبد الله أيوب، بغض النظر عن تاريخ حُصولهما وتاريخ تسريب الإعلان عنهما.

وبالتالي، إنّ تطبيع العلاقات بين لبنان وسوريا تجاوز مرحلة التنسيق على عودة اللاجئين السوريّين في لبنان إلى بلادهم، وبلغ مرحلة إعادة العلاقات إلى طبيعتها سياسيًا وإقتصاديًا وأمنيًا، إلخ. الأمر الذي يدخل في سياق الضُغوط غير المُباشرة على رئيس الحكومة المُكلّف. وعلى خط مُواز، إنّ إستقبال أمين عام “حزب الله” السيّد حسن نصر الله لوفد من تنظيم “أنصار الله” اليمني، والحرص على تعميم الخبر إعلاميًا، في الوقت الذي تكثر فيه إعتراضات بعض دول الخليج على ما تعتبره خرقًا لسياسة النأي بالنفس، وتدخّلًا مُستمرًّا من جانب “حزب الله” في حرب اليمن، عبر دعم “أنصار الله” لوجستيًا وسياسيًا، والوقوف إلى جانب الحوثيّين ضُد الحكومة اليمنيّة الشرعيّة المدعومة من دول الخليج، يدخل أيضًا في سياق الضُغوط على الحريري.

ولا تُخفي مصادر “التيّار الأزرق” تخوّفها من مُحاولات مشبوهة تجري خلف الكواليس لرفع الضغوط بشكل تصاعدي وتدريجي على رئيس الحُكومة المُكلّف، لدفعه إلى تقديم تنازلات من جانب واحد، ولا تُقابلها تنازلات مُماثلة من مُختلف الأطراف المعنيّة بعمليّة التأليف، تحت حجّة عدم جواز المُماطلة أكثر في تشكيل الحُكومة الجديدة. ولم تستبعد هذه المصادر اللجوء إلى ضُغوط ميدانية غير تلك السياسيّة المُمارسة حاليًا من بوّابة التطبيع مع سوريا والتعامل مع المحكمة الدَوليّة، أي اللجوء إلى تحرّكات في الشارع وإضرابات وإعتصامات تحت عناوين إقتصاديّة وحياتيّة وإجتماعيّة مختلفة، وتحت عناوين مطلبيّة ونقابيّة أيضًا، علمًا أنّ الجميع يعلم أنّ حكومة تصريف الأعمال لا تستطيع التعامل مع هذه الملفّات الحسّاسة، لأنّ حل الملفّات المُزمنة والمُعقّدة يستوجب وجود حكومة جديدة قادرة على إتخاذ القرارات التنفيذية وليس حُكومة تصريف أعمال.

إشارة إلى أنّ رئيس الحكومة المُكلّف كان حتى الأمس القريب لا يزال يحتمي بتفاهم شفهي مع “التيّار الوطني الحُرّ” قضى ببقائه رئيسًا للحكومة في كل حُكومات عهد العماد عون. كما أنّ الحريري يحتمي بكل رؤساء الحكومات السابقين-بغضّ النظر عن تموضعهم السياسي، وبكل مسؤولي الطائفة السنّية، لمُواجهة الضغوط المُمارسة عليه لحمله على تشكيل الحُكومة بسرعة، عبر تقديم تنازلات من جانبه وعلى حساب حزبي “القوّات” و”الإشتراكي”، باعتبار أنّ أغلبيّة قيادات الطائفة السنية ترفض أيّ مسّ بسُلطات وصلاحيّات رئيس الحُكومة، إن عبر تحديد مهلة للتأليف غير موجودة في الدُستور، أو وعبر التلميح بسحب التكليف منه بعد أن جرى تكليفه تشكيل الحكومة بأغلبيّة ساحقة ضمّت 112 نائبًا.

لكنّ هذا الرقم الذي حصل عليه الحريري في مرحلة مُحدّدة، وبناء على ظروف مُعيّنة، قد لا يكون ثابتًا إذا ما غيّرت القوى التي دعمته خلال مرحلة التكليف رأيها به، في حال أصرّ على رفض تقديم تنازلات من طرف واحد، علمًا أنّ قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني” كان تحدّث في حزيران الماضي عمّا وصفه بفوز “حزب الله” وحلفائه بما مجموعه 74 نائبًا في لبنان، وإذا كان هذا الرقم صحيحًا فإنّ قُدرة الحريري على تشكيل حُكومة لا تُرضي الأفرقاء المُصنّفين ضُمن “محور المُقاومة” أو كحُلفاء له، مُستحيلة. والسؤال المُقابل الذي يفرض نفسه: هل يستطيع هؤلاء الأفرقاء أنفسهم تشكيل حُكومة ناجحة ومُثمرة في حال إستغنوا-بشكل أو بآخر، عن الحريري وحلفائه؟.

ناجي س. البستاني

شاهد أيضاً

واشنطن غير معنية للقيام بأي دور لتسريع تشكيل الحكومة اللبنانية؟!

“نحن نأمل تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، وننتظر”… قد يختصر هذا الجواب المقتضب لأحد الدبلوماسيين …