طموحات ريفي تتقلّص: هل باتت “زعامته” مهدَّدة؟!

لم تجر الرياح الانتخابية كما تشتهي سفن الوزير السابق أشرف ريفي، أو على الأقلّ، هذا ما يوحي به الظاهر. بعد “الانتصار” الذي حققه في الانتخابات البلدية في طرابلس، في مواجهة تحالف “قوى السلطة” مجتمعةً، وضع “اللواء” الانتخابات النيابية نصب عينيه، لبناء “زعامة” ينافس فيها “الحريرية السياسية” في عقر دارها، مراهناً على تغييرٍ في المزاج الشعبيّ، وكذلك الدوليّ.

رفع الرجل السقف عالياً. وصل إلى حدّ “مقارعة” الأحزاب التقليدية الكبرى، عبر الإيحاء بأنّ لوائحه ستكون شاملة، على امتداد الدوائر الانتخابيّة. إلا أنّ ذلك لم يحصل. بقطع النفس، صمد الرجل في مناطق ثقل خصمه الأساسيّ، “تيار المستقبل”، أي طرابلس وعكار وبيروت الثانية، بعدما تُرِك وحيداً من دون حلفاء ولا من يحزنون. يعتبر المقرّبون منه ذلك “إنجازاً” بحدّ ذاته، نتيجة “الضغوط” التي تعرّض لها، من كلّ حدبٍ وصوب.

ولكن، هل يستطيع “اللواء” أن ينافس وحيداً، فعلاً كما قولاً؟ ماذا لو لم يكرّس “الانتصار البلدي” الذي ما زال يعيش على أطلاله؟ هل يصحّ القول إنّ “زعامته” باتت مهدّدة عملياً؟

الزمن تغيّر…

لا شكّ أنّ الكثير من المعطيات تغيّرت بين الانتخابات البلدية في العام 2016 والانتخابات النيابية في العام 2018، ليس فقط لناحية القانون الانتخابيّ وطبيعته، بل حتى على صعيد المزاج الشعبيّ الذي كان “محتضناً” لواءً متمرّداً خارجاً من عباءة “المستقبل”، في أوج تراجعه، وهو الذي عرف كيف يلعب لعبة “المزايدات” لاكتساب ثقة جمهورٍ تملّكت به العواطف.

اليوم، لا توحي الوقائع بأنّ “الحيثية” التي تمكّن اللواء ريفي من تكريسها في الانتخابات البلدية، بعدما بدأ ببنائها منذ خروجه أو إخراجه من قوى الأمن، وصولاً إلى استقالته الشهيرة من الحكومة بعد الخلاف مع “المستقبل”، لا تزال على حالها. خير دليلٍ على ذلك كيف أنّ الرجل، الذي وضع الكثيرون “التحالف” معه على “أجندتهم” بعد الانتخابات البلدية تُرِك وحيداً على مسافة شهرين من الاستحقاق. حتى النائب خالد الضاهر، “المُبعَد” من كتلة “المستقبل”، ترك ريفي وحيداً لصالح التيار “الأزرق”، بعدما بقي لأشهر يتحدّث عن أجواء مثاليّة لتشكيل لائحة مشتركة معه، في مواجهة الحريري.

كلّ ذلك لا يبدو عفويًا. يحمّل البعض ريفي نفسه المسؤولية عن وصول الأمور إلى ما وصلت إليه، على اعتبار أنّ المجلس البلدي الذي دعمه لم يقدّم نموذجاً يحتذى به في العمل البلدي، وإنّ “الطرابلسيين” لم يجدوا فيه “البديل المرتجى” عن المجالس السابقة، لا سيما بعدما دقّت الصراعات أبوابه، ما حال دون قدرته على تنفيذ “الوعود” التي قطعها لأهالي المدينة، على كثرتها. لكنّ الاكتفاء بمثل هذا “التبرير” لتراجع الظاهرة “الريفية”، بشكلٍ أو بآخر، ليس سوى “نصف الحكاية”، إن لم يكن أقلّ، لأنّ ما حصل من “انقلاب” في المعطيات كان أكبر من ريفي، يقول المتابعون.

برأي هؤلاء، فإنّ “رهانات” ريفي المضخّمة هي التي أوصلته إلى هنا، هو الذي سعى للترويج لنفسه بوصفه “رجل السعودية في لبنان”، مستفيداً من توتر العلاقات مع الحريري، على خلفية “تنازلاته” الكثيرة، التي لم تكن على بال وخاطر المملكة. ولذلك، فإنّ زيارة “الشيخ سعد” الأخيرة إلى المملكة، وما حُكي عن “صفحة جديدة” فتحت معه، كانت بمثابة “الضربة القاصمة” للواء، خصوصاً إذا ما تمّ عطفها على ما سبقها من تزايدٍ غير محسوب في شعبيّة الحريري، بعد أزمة استقالته الشهيرة، التي يقال إن خصومه، ومن بينهم ريفي، قدّموا خلالها “دعاية انتخابية مجانية” تساوي كلّ الحملات التي تنفق عليها الملايين اليوم.

تقديرات وحسابات

الزمن تغيّر، سياسياً وشعبياً، محلياً ودولياً، تغيّرٌ زادت من فداحته مقاربة الانتخابات بشكلٍ لم يسبق له مثيل في التاريخ اللبنانيّ الحديث، مقاربة غُيّبت السياسة عنها عن سابق تصوّر وتصميم، بما لا يخدم “اللواء” الساعي إلى خوض الاستحقاق وفق العناوين السيادية الكبرى، أو بالأحرى، عناوين “المزايدات” التي يرى كثيرون أنّه صعد أصلاً على كتفها.

يقول المراقبون إنّ دائرة بعلبك الهرمل تكاد تكون الوحيدة اليوم التي تشهد معركة سياسية فعلية بين اصطفافي 8 و14 آذار الشهيرين. لا يخوض اللواء ريفي المعركة في هذه الدائرة، بعدما تقلّصت طموحاته الانتخابيّة إلى حدّ منازلة الحريري فقط في طرابلس وعكار وبيروت، واقعٌ يصرّ المقرّبون منه على أنّه يدلّ على “صمود” الرجل في وجه كلّ الترغيب والترهيب الذي تعرّض له للانكفاء، وهو المنطق الذي نجح مع غيره، بدليل موجة “الانسحابات” غير البريئة التي تشهدها الساحة منذ أيام، “لصالح تيار المستقبل”.

لكن أبعد من هذا “الإنجاز”، ماذا في الوقائع والتقديرات والحسابات الانتخابيّة؟

في طرابلس، يخوض ريفي المعركة وحيداً من جديد في مواجهة قوى السلطة، مع فارقٍ جوهري، أنّ هذه القوى تواجه بعضها البعض، بعيداً عن ائتلاف 2016، نقطة يرى البعض أنّها ليست لصالح “اللواء” الذي استفاد، من دون شكّ، في الاستحقاق البلدي من تحالف “المتناقضات” الذي أغضب الكثيرين. وعلى الرغم ممّا أشيع سابقاً عن إمكانيّة تحالفه مع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، وجد الرجل نفسه في النهاية وحيداً في مواجهة لوائح “قوية” نسبياً، من لائحتي “المستقبل” وميقاتي، مروراً بلائحة الوزير السابق فيصل كرامي، وصولاً إلى لوائح المجتمع المدني والمستقلين. لا ينكر أحد أنّ “اللواء” قد ينجح في “الخرق”، فحيثيته الشعبية الطرابلسية موجودة بقوة، إلا أنّ الأكيد أن “انتصار” 2016 بعيد المنال، بل إنّ هناك من يقول إنّ الخرق سيقتصر عليه شخصيًا، من دون زيادة ولا نقصان.

في عكار وبيروت، لا يبدو الوضع أفضل حالاً، ففي الدائرتين لا تبدو المواجهة سهلة مع لوائح “قوية” نسبياً، من عكار حيث يتحالف “المستقبل” و”القوات” مدعومين من النائب الضاهر، في وجه قوى متفرّقة من “8 آذار” و”التيار الوطني الحر” وغيرهم، والمجتمع المدني المتفرّق، وفي صفوفه شخصيات قيل سابقاً إنّها ستتحالف مع ريفي، إلى بيروت، حيث “الرمزية” الأكبر التي يصرّ عليها ريفي. هنا، ثمّة من يقول إنّ حظوظه شبه “منعدمة”، نتيجة غياب المنافسة “المتكافئة” في العاصمة، التي يواجه فيها “المستقبل” لوائح أساسيّة أقدر على المنافسة، من لائحة الثنائي الشيعي المتحالف مع “المشاريع”، إلى لوائح رجل الأعمال فؤاد مخزومي، والمجتمع المدني، مروراً بلائحة العائلات البيروتية، المؤهّلة لسحب الكثير من الأصوات من تحت بساط اللواء المتمرّد.

غداً لناظره قريب…

في الدوائر الثلاث التي يخوض ريفي المعركة فيها، لن يكون بمقدوره أن يلعب على وتر “تحالف”، مباشر أو غير مباشر، بين “المستقبل” و”حزب الله”، أو حتى “التيار الوطني الحر”، كان يمنّي النفس بتوظيفه بما يخدمه شعبياً. ففي طرابلس، يخوض “المستقبل” المعركة وحيداً في مواجهة جميع اللوائح، بما فيها لائحة الوزير السابق فيصل كرامي، التي يمكن إدراجها في خانة قوى “8 آذار” ولو رفض كرامي ذلك، وكذلك الحال في بيروت، حيث المواجهة مباشرة و”على المنخار” مع الثنائي الشيعي، في حين تمتاز دائرة عكار بتحالف “المستقبل” و”القوات” الذي يعيد إلى الأذهان حلف “14 آذار” الشهير.

رغم كلّ شيء، فإنّ “اللواء” صامدٌ في المعركة ومستمرّ حتى النهاية، بمعزل عن المكاسب والخسائر، وهو مقتنعٌ أنّ “زعامته” لا تزال ترسم بدايتها، ولو دخل البرلمان بمقعدٍ واحدٍ وحيد، فهو سيؤسّس للتغيير مستقبلاً…

شاهد أيضاً

واشنطن غير معنية للقيام بأي دور لتسريع تشكيل الحكومة اللبنانية؟!

“نحن نأمل تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، وننتظر”… قد يختصر هذا الجواب المقتضب لأحد الدبلوماسيين …