عرقلة التأليف الحكومي في لبنان… القطبة المخفية

ليست هي عملية التأليف الحكومي الأولى التي تواجه مطبّات سياسية. سبق وأن واجه التأليف عراقيل، منع تشكيل الحكومات خلال أشهر طويلة. لكن العتب الشعبي الآن على القوى السياسية ناتج عن تفسير كل فريق لمصالحه في زمن صعب، بينما المطلوب تقديم تنازلات متبادلة من القوى المعنية. فالبلد يواجه أزمات إقتصادية ومالية وإجتماعية ضخمة، قد تودي به الى الهلاك، ما لم يبادر المعنيون بإستدراك المشكلة الحكومية سريعاً. إذا كان الكلّ يعي تلك المخاطر، ويحذّر من الوقوع فيها، فأين هي القطبة المخفية التي تمنع التأليف السريع؟.

المنحازون لفريق العهد يعتبرون أن “رفع السقف السياسي من قبل “القوات” أو “التقدمي الاشتراكي” يتم بغاية منع تأليف حكومة تحقّق رؤية العهد في الاصلاح”، ما يعني بالنسبة اليهم وجود دوافع لإجهاض تمثيل “لبنان القوي” بكتلة وزارية وازنة. القضية تبدو واضحة، “بفعل تمترس القوات وراء مطالبها التعجيزية، لأنها تدرك أن رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري لا يستطيع تأليف حكومة من دونها، ليس حباً بها، ولا انسجاماً معها، بل لعدم إغضابه السعودية التي تدعم معراب في خطواتها التصعيدية. الأمر ينسحب أيضاً على رئيس “التقدمي” وليد جنبلاط الذي كان زار السعودية، لمنع الحريري من تجاوز مطالب المختارة”.
بالنسبة الى فريق “القوات”، المسألة تتعلق بإتفاق معراب الذي تحدّث عن المناصفة بين “القوات” و”التيار”. فهم يعتبرون أن التيار البرتقالي يريد الإنقلاب على التفاهم، وإجهاض التمدد القواتي جماهيريا، من خلال محاصرته ومعاقبته حكومياً. يستند القواتيون في نظرتهم الى حصولهم على كتلة نيابية كبيرة تفرض زيادة عدد وزرائهم، والحصول على حقيبة سيادية.

أما “التقدمي” فذهب أبعد من “القوات” ورفع سقفا عاليا، قال فيه “ان العهد يحاول فرض صلاحيات ما قبل الطائف، لا بل ملامسة أزمة عام 1860”. السقف التقدمي العالي، هدفه منع “التيار” من فرض وزير درزي كالنائب طلال ارسلان، الذي يعتبر الاشتراكيون ان وصوله سابقا الى الطاولة الحكومية تمّ بفضلهم، جراء التنازل التقدّمي له. القصة عند الاشتراكيين هي معركة وجود سياسي تتخطى المقاعد الدرزيّة الثلاثة، وتنذر بما هو أسوأ بين الفريقين، واعتبار “التقدمي” أن “الوطني الحر” يمد اليد الى الساحة الدرزية، متجاوزاً النظريّة البرتقالية التي انتجها، وتقوم على اساس وصول الفريق أو الزعيم القوي في طائفته. تلك النظرية هي التي حملت العماد ميشال عون الى سدّة الرئاسة في البلاد. يقصد الاشتراكيون هنا، أن زعيمهم هو من يمثّل الغالبية الدرزية، كما حال “الثنائي الشيعي” الذي يمثّل الغالبية الشيعيّة، فكيف لا يأخذ العهد من الساحة الشيعية، بينما يفعل ذلك مع الدروز؟ هذا ما يردّده التقدّميون علناً.

هي مشكلة موازين قوى، لفرض الوجود في حكومة،  يُفترض ان تبقى الى موعد الانتخابات النيابية بعد اربع سنوات تقريبا. لا يقتصر الخلاف بشأن تأليفها على الفرقاء المذكورين، بل يصل الى حد الحديث عن نيّة العهد إستبعاد أو تحجيم تيار “المردة”، وحزب “الكتائب”، والحزب “السوري القومي الاجتماعي” وآخرين.
لكن، ماذا لو بقيت الشروط المتبادلة قائمة؟ هناك من يستبعد قبول الحريري برؤية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الحكوميّة، ما يوحي حينها إمّا بتمديد عمر التكليف الى زمن غير محدّد، وهذا يصيب العهد في الصميم، وينسف البلد في إقتصاده وحياته، وإما يصار الى اعتذار الحريري عن المتابعة، ليُصار الى تكليف رئيس حكزمة جديد، قد يكون حينها النائب نجيب ميقاتي الذي سبق وترأس حكومتين.

كل الخيارات قائمة، في ظل إجهاض المبادرات، وعدم وجود تنازلات.

شاهد أيضاً

الجزائر: التغيير آت لكن السؤال عن الموعد والكلفة!

لم يكن الكثيرون يتوقعون توسع رقعة الإحتجاجات في الجزائر، ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة …