عندما “ترْشح” هواتفنا دماً…

كانت شرارة الحرب اللبنانيّة عام 2019 من محور عين الرمانة-الشياح، حيث اصطدم أهالي المنطقتين في حرب دموية بدأت من شارع أسعد الأسعد، وامتدت على مساحة بيروت وما بعدها.

لو صدق ما نُشر منذ يومين على وسائل التواصل كنا لنكتب هذا الخبر الوارد أعلاه في تقاريرنا الإعلاميّة، فالحرب اشتعلت ولم يكن ينقص هواتفنا سوى أن تسيل منها الدماء، وأن تفوح منها رائحة البارود.

منذ ما قبل الحراك بكثير حذّرت “النشرة” من لعبة الإشاعات، والأمر الثابت أنها لم تبدأ اليوم، ولا يمكن ربطها بمعارضين أو احزاب سلطة بناء لما نعيشه، فبعد أن بدأت الحرب منذ أشهر بإشاعات اقتصاديّة مصدرها “الإعلام الدولي”، وأدّت لضرب لبنان اقتصاديًّا وسياحيًّا، ولو بشكل غير مباشر، تواصلت اللعبة ولكن هذه المرة مع دخول لاعبين محليين، وطاولت ليرتنا، واقتصادنا، وتصنيفنا المالي فبدأ التهافت على الدولار، ببطء بداية في أشهر الصيف الماضي، ثم تسارعت الأحداث ووصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم.

هذه المرة باتت الإشاعات من نوع مختلف، وتحديدا من النوع الخطير الذي يتسبب بالفوضى والخراب. ترافق إنطلاق الحراك في الشارع مع أخبار مدسوسة وفبركات إعلاميّة وإشاعات، فتارة نجد الإعلام مشاركا بصنع الوهم، والتصويب الممنهج في اتجاه واحد، وتارة نجد الغرف السوداء على مواقع التواصل تخطط وتنشر الأخبار والفيديوهات، بهدف البلبلة وخلق الذعر.

في الساعات الماضية انتشرت إشاعات كثيرة، لعل أخطرها إصابة ومقتل قيادي في تيار “المستقبل” في الطريق الجديدة بعد إطلاق النار عليه من قبل مناصري “حزب الله” و”حركة أمل”، علما أن الحقيقة كانت أنّ مجهولين من جنسية غير لبنانية أطلقوا عدّة طلقات ناريّة في الهواء، بينما كانت مواكب الدراجات الناريّة تجوب الشوارع.

واستمر مسلسل الإشاعات، فتمّ تسجيل رسائل صوتيّة تتحدث عن إقتحام مناصري “حركة أمل” شوارع “طريق الجديدة”، وترويع الأهالي، بالتزامن مع إطلاق نار في قرى بقاعية، وإنتشار عسكري حزبي في بيروت بعد إعلان حالة طوارىء في الأحزاب.

وأيضا كان خبر اشتعال المعارك في عين الرمانة والشياح، بينما الحقيقة تمّ عرضها على الهواء مباشرة، والاشتباكات بين آل جعفر من جهّة و”حزب الله” و”حركة أمل” من جهة اخرى في البقاع، وسقوط 4 أشخاص، وانتشار فيديوهات لمواكب عشائريّة في البقاع ونسبها الى “حزب الله”، كذلك سقوط قتيل في أحداث طرابلس، وغير ذلك من إشاعات تنتشر كالنار في الهشيم، علمًا أنها تجد آذانًا صاغية وعقولاً متقبّلة بسبب الوضع السيّء الذي نعيشه في لبنان.

إن هذا الواقع يفرض علينا محاولة توضيح الحقائق بدل السكوت عنها، وتعميم الوعي على الجميع، كما مطالبة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة تكثيف عمله في سياق كشف مطلقي ومروجي الإشاعات واعتقالهم وفضحهم، بدل التلهّي في ملاحقة أمور أقل أهميّة.

يبدو واضحا من خلال الشائعات أنّها دائما ما تحاول اللعب على وتر الطائفية، لذلك يجب التعاطي مع هذه الحملات بجديّة، فما يحصل بحسب معلومات “النشرة” ليس بريئًا ولا يمكن أن يكون كذلك. وتضيف المعلومات التي حصلت عليها “النشرة”: “من المتوقّع استمرار هذه الحملات، لا بل يمكن تكثيفها في المقبل من الأيام، علماً أن عددًا من المتورّطين يملكون قدرة كبيرة على التأثير وهنا تكمن الخطورة”.

إن تعميم الوعي ليس أمراً سهلاً، ولكنه بات مطلوبًا، والبداية تكون باعتبار كل خبر على مواقع التواصل و”الواتساب”، خبراً كاذباً حتى يثبت العكس.

شاهد أيضاً

لبنان بين داريوس والإسكندر

منذُ نحوَ ألفَين وخمسِمائةِ سنةٍ والفُرسُ طرفٌ أساسيٌّ في غالِبيّةِ حروبِ وثوراتِ فينيقيا والشرقِ. إمبراطوريّةٌ …