غموض اللواء ابراهيم حول قدرات لبنان التجسسية… مقصود

 لم يكد الخبر الذي نشرته وكالات الانباء العالمية حول اتهامات شركات دولية لمبنى الامن العام باستعمال هواتف الآلاف من المواطنين في نحو 21 بلداً، كأدوات للتجسس، حتى قامت الدنيا ولم تقعد. الخبر نفسه تلقفته الصحف الاسرائيلية بشكل شبه فوري، وابرزته على صفحاتها مع صورة للمدير العام للامن العام اللواء المتقاعد عباس ابراهيم وكلام عن قدرات لبنان التجسسيّة.

اللافت في الخبر الذي تم نشره ان الشركات لم تتهم الامن العام مباشرة، بل قالت انها لا تعلم ما اذا كانت المديريّة ضالعة بالموضوع او ان احد موظفيها يعمل من تلقاء نفسه، لكن تقفّي الاشارات اوصل الى مبنى الامن العام. وفي وقت كان من البديهي ان يعمد ابراهيم الى النفي الفوري للموضوع، تحدّث بخبرته الدبلوماسيّة والسياسيّة بطريقة غامضة ومبهمة، فألمح الى عدم صحّة الامر دون ان ينفيه تماماً، مكتفياً بالاشارة الى ان الاجهزة التي يتمّ الحديث عنها متطورة جداً، ولا قدرة للبنان على امتلاكها.

هذا الكلام مهم جداً، ويمكن استثماره امنياً وعسكرياً، فلعبة الاستخبارات لا تقوم على كشف الاوراق واحراقها، والدليل انه يتمّ الكشف عن جزء من عمليّات استخباراتيّة دوليّة انما بعد مرور عقود من الزمن. ويشبّه البعض هذه اللعبة كوضع الرهانات في “لعبة الورق” فتقوم بخداع اخصامك بكل الوسائل الممكنة وتخبىء اوراقك جيداً حتى تنتهي اللعبة وتوضع الرهانات بشكل كامل. وهذا ما قام به ابراهيم، الذي لم يكشف اوراقه، بل تركها مبهمة وغامضة، ولكن الخبر فتح الاعين على القدرات اللبنانية، فلو صحت المعلومات الواردة فيه ام لم تصح، دخل لبنان على طاولة الدول الاستخباراتيّة وبدأ يلفت الانظار، وهي ورقة مهمة لأنّ اسرائيل لطالما اعتُبرت الاقوى عسكرياً واستخباراتياً في المنطقة، وهي نجحت في تحقيق خروقات كبيرة في الميدان اللبناني، الا ان المسؤولين الامنيين في لبنان نجحوا ايضاً في كشف العديد منها.

ولكنها المرة الاولى ربما التي تبدو اسرائيل قلقة استخباراتياً، ليس من حزب الله، بل من مديرية امنيّة رسمية في الدولة اللبنانية، وهذا يعني ان الخطر بات اكبر واكثر جديّة عليها، لان هذا الجهاز الامني يتعاون مع اجهزة امنيّة رسميّة عالميّة، والتنسيق فيما بينها قد يسمح بكشف عملاء ومشاريع اسرائيلية تحضّر، ليس فقط في لبنان والمنطقة، انما في دول غربية ايضاً، وهنا يكمن الخطر الاكبر.

تدرك اسرائيل ان تعاونها مع اجهزة استخباراتيّة دوليّة لن يهزّه شيء، ولن يتراجع، ولكنها تدرك ايضاً ان لبنان القويّ استخباراتياً قد يحبط مخططات لها تقوم بها على اراضي دول تتعاون معها استخباراتياً وربما امنياً، ولن يتردّد لبنان في فضح ما يكشفه لأنّه يعتبر اسرائيل دولة عدوّة، وبالتالي لن يفاوضها على معلوماته بل سيقدّمها على طبق من فضّة لمن يعنيه الامر، وليتصرف الطرف المعني كما يشاء، وفي الحالتين تكون اسرائيل الخاسر الاكبر في المسألة.

لن تجتاحنا الاحلام في ان قوتنا الاستخباراتية باتت تنافس اجهزة دولية متقدمة جداً وتملك امكانات وتقنيات لن نصل اليها في المدى المنظور، ولكن ما حصل هو ان الجميع تفاجأ بقدرة اللبنانيين الذين باتوا قادرين على كشف معلومات وتقديمها لغيرهم بدل الاكتفاء بتلقي ما يملكه الآخرون وفق مفهوم التنسيق الامني. وان يقوم لبنان بمثل هذا الخرق الاستخباراتي، في حال تمّ تأكيده، فهذا يعني انه خطا خطوات كبيرة في عالم التجسّس، ولكنه جعل الكثيرين ايضاً من المواطنين اللبنانيين وغير اللبنانيين يطرحون اسئلة عن مدى صحة هذه المعلومات وما اذا كانوا ضحية هذا العمل الاستخباراتي، وكيف للبنان ان يصل الى هذا المستوى؟.

الجواب لن يجدوه حتماً عند المدير العام للامن العام، ولكنه سيكون حاضراً على طاولة اخرى، اكبر من لبنان والمنطقة.

 

طوني خوري

شاهد أيضاً

صبر الحريري لن ينفد… فهل نفد صبر باسيل؟!

بين بيانَي كتلة “المستقبل” برئاسة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وتكتل “لبنان القوي” برئاسة وزير …