فكرة حكومة “الأمر الواقع” في بيروت مطروحة… ولكن!

خلال عطلة نهاية الأسبوع، شهدت مفاوضات تأليف الحكومة “انقلابَين” في المعطيات الإعلاميّة بالحدّ الأدنى. فجأة ومن دون سابق إنذار، قيل إن “انفراجاً” حلّ على الخط، وإنّ الحكومة ستؤلَّف في غضون ساعات، بل نسب البعض إلى رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري تحديده يوم الأحد موعداً شبه نهائي لولادة الحكومة.

وفجأة أيضاً ومن دون سابق إنذار، عادت الأمور إلى المربّع الأول، ليتبيّن أنّ الأمر لم يكن أكثر من “بالونات في الهواء”، بدا أن لا أساس لها، خصوصاً بعدما ظهر أنّ العقد لا تزال على حالها منذ اليوم الأول، من المسيحيّة إلى الدرزيّة فالسنيّة، ولم يطرأ أيّ تعديل ولو طفيف في مواقف المعنيين بها.

وإذا كان هذا الواقع يدفع إلى التساؤل عن مرتكزات التفاؤل غير المفهوم ولا المبرَّر الذي أوحى بقرب الفرج، ثمّة من يطرح أسئلة أكبر من ذلك، إذ هل يمكن أن يذهب “العهد” لتشكيل “حكومة أمر واقع”، خصوصاً أنّ التأخير ليس من مصلحته بأيّ شكلٍ من الأشكال؟!.

فكرة واردة؟

لا شكّ أنّ تسمية “حكومة الأمر الواقع” ليست محبّذة في القاموس الشعبي اللبناني، ولطالما استُخدِمت فقط لدواعي “التهديد” من جانب رؤساء الحكومات الذين يتمّ تكليفهم عندما يصطدمون بالشروط والشروط المضادة، لدفع الأفرقاء لتقديم التنازلات، وحتى الهدايا، لتسهيل عملية التأليف، إلا أنّ أياً من حكومات ما يسمّى بـ”الوفاق الوطني” أو “الوحدة الوطنية” لم تُعلَن رسمياً إلا بعد مصادقة جميع مكوّناتها على الحصص المعطاة لها شكلاً ومضموناً، أي بمعنى آخر حجماً ونوعاً.

لكن، على رغم ذلك، يعتبر البعض أنّ الفكرة مطروحة اليوم، أقله من جانب “العهد”، ليس لأنّ “العهد القوي” بقيادة الرئيس ميشال عون قادرٌ على ما عجز عنه غيره فحسب، ولكن لأنّ هذا العهد بالتحديد ليس مستعداً للتنازل من كيسه وتقديم الهدايا المجانية لمن “انقلبوا” عليه بشكلٍ أو بآخر، بل ثمّة بين المقرّبين من العهد من يردّد أنّ الرئيس عون المتسلّح بصلاحية التوقيع على تشكيل الحكومة، لن يمنح توقيعه لأيّ حكومة لا تلبّي تطلعاته، ومن خلفه تطلعات “التيار الوطني الحر”، وبالتالي تعطي خصومه الحصص “المضخّمة”، خصوصاً أنّه يشتمّ “رائحة” تكتّل يسعى لمواجهته من داخل الحكومة.

من هنا، يعتبر “سيد العهد” أنّه مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من يملك صلاحية تركيب الحكومة، بعد استشارة مختلف الأفرقاء، وعلى هؤلاء إما القبول بما يُعرَض عليهم، أو الذهاب إلى المعارضة من موقعها الحقيقي، لا من داخل السلطة. ولذلك فهو لا يبدو مستعداً للتنازل أكثر، لا لجهة مساواة حصّته مع حصّة “القوات اللبنانية”، التي يتهمها أصلاً بالانقلاب على “تفاهم معراب” من خلال وقوفها ضدّه في كلّ الاستحقاقات التي واجهها على مدى الأشهر الماضية، أو لجهة إعطاء “الحزب التقدمي الاشتراكي” الحقّ باحتكار المقاعد الدرزيّة، وهو الذي لا يفوّت فرصة إلا ويصوّب على “العهد” بشكل مباشر، ما يجعل الأخير متمسّكاً بقوة بتمثيل “حليفه” النائب طلال أرسلان، لإرساء نوع من “التوازن” على هذا الصعيد.

الحريري يرفض؟

في المبدأ، وانطلاقاً ممّا سبق، قد تكون فكرة “حكومة الأمر الواقع” واردة في قاموس “العهد”، إذا ما أصرّ الخصوم على رفع سقف مطالبهم، ولم يوافقوا على ما هو معروضٌ عليهم، لا حباً بالفكرة بحدّ ذاتها، بل رفضاً لفكرة تقديم التنازلات، التي يمكن أن يندموا عليها لاحقاً، بعد تشكيل الحكومة، وإعلان التكتل المعارض عن نفسه داخلها، ما يمكن أن يؤدي إلى عرقلة عملها، التي يصرّ الرئيس عون على أن تكون منتجة، وهو الذي يصرّ على اعتبارها “حكومة العهد الأولى”، ولو أنّ التي سبقتها كانت في ظلّ العهد نفسه.

إلا أنّ الفكرة لا تبدو، حتى الآن على الأقلّ، قابلة للتطبيق، لا لشيء إلا لأنّ رئيس الحكومة المكلف لا يبدي أيّ موافقة عليها، بل إنّ ثمّة “امتعاضاً مستتراً” من الحريري لدى بعض المحسوبين على “العهد”، لشعورهم أنه يصطفّ بشكلٍ أو بآخر إلى جانب الخصوم، داعماً مطالبهم، وهو ما تجلّى في التصوّر الذي قدّمه أخيراً إلى الرئيس عون، والذي تبنّى فيه مطالب “القوات” و”الاشتراكي”، مدافعاً عن حق الأولى بالحصول على أربعة أو خمسة مقاعد، تكريساً للإنجاز الذي حققته في الانتخابات، وعن حق الثاني بالحصول على المقاعد الدرزية الثلاثة، من باب ترجمة نتائج الانتخابات النيابية أيضاً.

ولعلّ ما أزعج “العونيين” في تبنّي الحريري غير المُعلَن لمواقف خصومهم، أنهم في المقابل لم يفعلوا معه الأمر نفسه، على صعيد العقدة السنية، ولم يتبنّوا قضية حق عشرة نواب سُنّة انتُخِبوا من خارج “تيار المستقبل” بالتمثيل في مجلس الوزراء، إذا كان المعيار ترجمة نتائج الانتخابات، بل ثمّة من ينقل عن الرئيس عون إنه “تعهّد” بأن يكون الوزير السنّي الذي سيسمّيه من ضمن حصته، في سياق “مبادلة” مع الحريري، “وسطياً” لا ينتمي إلى خط “8 آذار”، ولا يستفزّ الحريري بتاتاً، وهم ينتظرون من الأخير أن يبادلهم “حسن النيّة” بأفضل منها، بدل الذهاب إلى الطرف النقيض.

الحكومة مؤجّلة؟!

وسط كلّ هذه المعمعة، توحي المعطيات المتوافرة أنّ ولادة الحكومة تبقى مؤجّلة، فالنقاش لا يزال في الحصص وكيفية توزيعها، ولم يصل حتى إلى الحقائب والأسماء، ولو أنّ الكثير من الهمس والغمز بدأ يُرصَد على هذا الصعيد، ولأنّ “وحي” التنازلات والهدايا لم يهبط على أحد بعد لتسهيل تأليف الحكومة، على الرغم من إدراك الجميع أن التأخير ليس من مصلحة أحد.

وفي المقابل، تبدو حكومة الأمر الواقع بدورها عصيّة على الولادة، ليس فقط للخشية من تسبّبها بأزمة داخلية جديدة، بل لأنّ رئيسي الجمهورية والحكومة، اللذين لا يمكن أن تبصر أيّ حكومة النور من دون رضاهما، غير متفقين في شأنها، في ظلّ تبنّي كلّ منهما لوجهة نظر مختلفة.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال، إلى متى يستمرّ تناتش الحصص والحقائب كما هو حاصلٌ حالياً؟ وأيّ آمالٍ يمكن أن تُعقَد على حكومةٍ تؤلَّف بهذه الطريقة؟ وأبعد من ذلك، أين “التغيير” الذي وعد به رئيس الجمهورية عندما قال في مرحلة تشكيل الحكومة السابقة إنّ “المحاصصة” لن تكون موجودة في تشكيل الحكومات بعد اليوم؟.

حسين عاصي

شاهد أيضاً

الجزائر: التغيير آت لكن السؤال عن الموعد والكلفة!

لم يكن الكثيرون يتوقعون توسع رقعة الإحتجاجات في الجزائر، ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة …