قراءة في استراتيجية ترامب للأمن القومي

أصدرت الإدارة الأميركية وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب استراتيجية الأمن القومي التي تعبر عن رؤيتها[1]، وهي وثيقة بالغة الأهمية في تحديد مقاربة الولايات المتحدة للساحة الدولية ولمواقع القوى الفاعلة عليها.

في السطر الثاني من استراتيجيته حدد الرئيس دونالد ترامب أولوياته فقال: “سنعيد تنشيط اقتصادنا، وسنعيد بناء جيشنا”، وهذه الأولويات تحمل اعترافا ضمنيا يعتبر ركنا أساسا في فهم واقع الولايات المتحدة من جهة، وفي استشراف خطواتها التنفيذية المتوقعة من جهة ثانية.

فقوله “سنعيد تنشيط اقتصادنا” يعني ان الاقتصاد الأميركي لازال يتخبط في كبوته التي غاص فيها منذ الازمة المالية والاقتصادية الدولية في العام 2008، ولم ينجح بعد بالخروج منها ومن ارتداداتها بالكامل، وعلى الضفة الأخرى فإن قوله “سنعيد تنشيط جيشنا” يعني ان هناك تحديات جديدة برزت جعلت الجيش الأميركي يحتاج الى تطوير أمكاناته وسد ثغراته كي يستطيع مجاراة هذه التحديات والتكييف معها ومواجهتها.

ثم شرع الرئيس ترامب في وصف الحيثيات التي أحاطت بإدارته منذ انطلاقتها فقال ما يلي:

  1. “أنظمة مارقة كانت تقوم بتطوير أسلحة نووية وصواريخ تهدد الكوكب بأسره.
  2. الجماعات الإسلامية الراديكالية الإرهابية كانت تنتشر.
  3. سيطر الإرهابيون على مساحات شاسعة من الشرق الأوسط.
  4. القوى المنافسة كانت تقوض بقوة المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم.
  5. الممارسات التجارية غير العادلة أدت إلى إضعاف اقتصادنا وإضعاف فرص العمل في الداخل الأميركي.
  6. تقاسم غير عادل للأعباء مع حلفائنا، ونقص حجم استثمارنا في الدفاع عن أنفسنا سمح ببروز تهديدات من أولئك الذين يرغبون في الإضرار بنا”[2].

ليزعم بعدها أنه خلال سنة واحدة من حكمه أنجز ما يلي:

أولاً: “نحن نجمع العالم ضد النظام المارق في كوريا الشمالية”، مع العلم أن الولايات المتحدة إلى الان بفعل مناوراتها واستعراضاتها العسكرية مع كوريا الجنوبية واليابان، لم تزد الازمة إلا تعقيدا، وفي الواقع فإن هذا التعبير يسعى للتهرب من الاعتراف بأن الشق الأكبر من معالجة هذه الازمة تعتمد فيه الولايات المتحدة على الصين بشكل أساسي وروسيا الى جانبها، وهو ما خرج للعلن خلال زيارة الرئيس ترامب للصين في 9 تشرين الثاني من العام 2017 حيث قال ترامب مخاطبا نظيره الصيني في مستهل جلسة عمل بينهما: إن “اجتماعنا صباح اليوم كان ممتازا. لقد تحدثنا عن كوريا الشمالية وأنا على غراركم، أعتقد أن هناك حلا”، مضيفا “أدعو الصين إلى الانخراط بصورة كاملة” لحل هذه الأزمة. كما دعا ترامب روسيا إلى الضغط على نظام بيونغ يانغ”[3]. وهي ليست المرة الأولى التي تستنجد فيها الولايات المتحدة بالصين لحل الأزمة مع كوريا الشمالية بل أصبح هذا دأب الادرات الأميركية المتعاقبة كلما تجددت الأزمة مع كوريا الشمالية.

ثانيا: زعم ترامب في وثيقته المتعلقة بإستراتيجية الامن القومي عند الحديث عن انجازاته “لقد سحقنا إرهابيي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في ساحات القتال في سوريا والعراق، وسنواصل متابعتهم حتى يتم تدميرهم”. توخيا للدقة لو قال الرئيس الأميركي لقد سحقنا جزء من مواقع هذه الجماعات من خلال الضربات الجوية في سوريا، حينها كان يمكن اعتبار توصيفه واقعيا ومدعوما بالأدلة، أما والحال غير ذلك فتجدر الإشارة هنا إن ما ساهم بشكل أساسي في سحق هذه الجماعات في سوريا فهو تحالف واسع ما بين روسيا وسوريا وحلفائها الذين شكلوا الذراع البري الاكثر فعالية في مواجهة هذه الجماعات على الأرض، في حين كانت المقاتلات الروسية تشكل الغطاء والذراع الجوي مدعومة طبعا بصواريخ “كاليبر” الروسية التي تعتبر جزءًا من الذراع الصاروخي الروسي الطويل جدا والكفوء جدا بحسب التجربة السورية.

ثالثاً: تابع الرئيس الأميركي ترامب مراكمة إنجازاته المزعومة خلال عام واحد من تولي ادارته الحكم فقال:” واجهنا الخطر الذي تشكله الدكتاتورية في إيران” وهنا لا نفهم أين واجه الخطر المزعوم الذي تشكله ايران! فهل السعي لإفشال التفاهم على الملف النووي الذي اعتبر من قبل إدارة الرئيس أوباما إنجازا تاريخيا هو ما يعتبره ترامب مواجهة للخطر الإيراني ويضعه في ملف إنجازاته؟!.

رابعًا: اختار ترامب ان يعرج على الأولوية الاقتصادية فلم يجد في سجله الا ما يلي: “أوضحنا أن الولايات المتحدة لن تتسامح بعد الآن مع العدائية الاقتصادية أو الممارسات التجارية غير العادلة”[4]، في هذا المجال من المعلوم ان الولايات المتحدة والرئيس ترامب خصوصا يتهم الصين تحديدا بما يسميه العدائية الاقتصادية أو الممارسات التجارية غير العادلة، لتبرير حجم العجز التجاري الضخم التي ترزح تحته الولايات المتحدة اتجاه الصين، لكن بالنظر الى الأرقام يبدو أن الرئيس ترامب إما واهم وإما انه لم يقم بالقراءة الصحيحة لأرقام التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين خلال العام 2017، “فالعجز في العام 2016 وصل إلى 347 مليار دولار، ولكنه يسير على مسار الوصول إلى 368 مليار دولار في نهاية العام 2017 بحسب الدراسة التي اعدها مركز بحوث الكونغرس في شهر آب من العام 2017”[5]، وللمزيد من الدقة وبالعودة الى ارقام وزارة التجارة الأميركية للعام 2017 حتى شهر تشرين الأول 2017 أي الشهر العاشر فقد وصل مستوى العجز التجاري مع الصين الى 308 مليار دولار قبل شهرين من انتهاء العام، وبالنظر إلى ارقام اشهر العام 2017 المتوفرة حتى تشرين الأول فإن المعدل الوسطي للعجز الشهري هو 31.3 مليار دولار فإذا اضفنا قيمة الشهرين الأخيرين للوصول إلى نهاية العام2017 تكون قيمة العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين قد وصلت الى 368 مليار دولار أو ما يفوق ذلك حتى[6]. وأمام هذه المعطيات أسجل استغرابًا كبيرًا حول وضع إدارة الرئيس ترامب هذا الزعم الذي يضحده الواقع والأرقام الأميركية نفسها؟! وينبثق عن هذا الاستغراب سؤال هل تتعمد إدارة ترامب خداع الشعب الأميركي من خلال تسويق هذه الادعاءات؟!.

بعد الديباجة التي ذكر فيها الرئيس الأميركي ترامب وإدارته ما سبق من حيثيات وانجازات افتقرت في غالبها للدقة، استكمل وثيقته للأمن القومي بمقدمة ومجموعة من المحاور سماها “أعمدة” لتقوم عليها استراتيجيته، وقال: “أن هذه الاستراتيجية تعتمد المقاربة الواقعية المبدئية كما اسماها وأضاف “إنها واقعية لأنها تعترف بالدور المركزي للقوة في السياسة الدولية”[7]

مما لفتني في هذه الاعمدة بداية، العامود الثاني من استراتيجيته للأمن القومي المعنون بـ”تعزيز الازدهار الأميركي” ووضع تحته شعار ” الأمن الاقتصادي هو أمن قومي”، وفي هذا المحور أو العامود ما يدهش، ففي مطلع هذا المحور تنص الوثيقة الاستراتيجية على “إن الاقتصاد المتنامي والابتكاري يسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على موقعها كصاحبة أقوى جيش في العالم ويمكنها من حماية الوطن”[8]، والصدمة الكبرى حينما تصف الوثيقة الاستراتيجية الواقع الاقتصادي الأميركي بما يلي: ” إن النمو الاقتصادي العام منذ ركود عام 2008 وحتى مرحلتنا الراهنة لا يزال ضعيفا جدا، وفي السنوات الخمس الماضية بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي ما لا يزيد عن 2 في المائة، وجمدت الرواتب -أي لم يطرأ عليها أي تعديل- بالمقابل زادت الضرائب، واستمرت كلفة التأمين الصحي وكلفة الفاتورة الطبية في الارتفاع، وارتفعت كلفة التعليم بمعدلات أعلى بكثير من نسبة التضخم مما زاد من ديون الطلاب، وانخفض نمو الإنتاجية إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عقود”[9].

أمام هذا الواقع الاقتصادي التي توصفه الوثيقة نفسها، وتطبيقا للمعادلة التي وضعها الرئيس ترامب نفسه “الأمن الاقتصادي هو أمن قومي” فعن أي أمن قومي نتحدث؟!!! إن كان الاقتصاد الأميركي شبه مشلول، ويمر بمرحلة انخفاض في الإنتاجية لم تشهدها البلاد منذ عقود وفقا لحرفية ما ورد في هذه الوثيقة…

ومما يجعل الصدمة كارثية فإن هذه الوثيقة نفسها تحمل في طياتها عبارة تدل على ما يشبه أحلام اليقظة لدى قائلها حين يقول: ” بعد عام واحد، العالم يعرف أن أمريكا مزدهرة، أمريكا آمنة، وأمريكا قوية”.

في الختام إن جل ما تقدم لا يزال يتناول بالبحث الدفعة الأولى من الالتباسات والمغالطات التي احتواها جزء يسير من وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي الذي قدمها الرئيس دونالد ترامب والذي حرص على وصفها أنها استراتيجية اميركا أولا… وسيلي هذه الدفعة دفعة أخرى أو دفعات نتعرض فيها لأبعاد وجوانب أخرى من هذه الوثيقة..

 

د. باسم صيداني

 

[1] National Security Strategy of the United States of America, DECEMBER 2017, https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2017/12/NSS-Final-12-18-2017-0905.pdf (19-12-2017)

[2] National Security Strategy of the United States of America, DECEMBER 2017,p3.

[3] ترامب عن أزمة كوريا الشمالية: هناك حل، https://www.skynewsarabia.com/web/article/995163/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A7%D9%94%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%84

[4] Op,cit, National Security Strategy of the United States of America, DECEMBER 2017,pp1-2.

[5] Morrison, Wayne M, China-U.S. Trade Issues, August 26, 2017,p13,  https://fas.org/sgp/crs/row/RL33536.pdf  (20-12-2017)

[6] 2017 : U.S. trade in goods with China, https://www.census.gov/foreign-trade/balance/c5700.html#2017 (20-12-2017)

[7] Op,cit, National Security Strategy of the United States of America, DECEMBER 2017, p-p 11,65.

[8] Op,cit, National Security Strategy of the United States of America, DECEMBER 2017,p27.

[9] Ibid, p28.

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …