لماذا يحرَّم على عون ما هو محلَّلٌ لبري والحريري؟!

عندما انتُخب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، كان أحد عناصر “القوة” التي انطلق منها كثيرون أنّه، بخلاف غيره من الرؤساء السابقين، ليس رمادياً ولا حيادياً، بل إنّه مؤسّس تيار سياسي قوي ورئيس كتلة نيابية وازنة تدعمه وتمنحه حيثية شعبية مختلفة، ولو حرص على الانفتاح على مختلف القوى السياسية من دون استثناء. لكن، مع بدء العدّ العكسي للانتخابات النيابية، بدأت الاتهامات تنهال عليه من كلّ حدب وصوب، بالتدخل لصالح مرشحٍ هنا ولائحة هناك، سواء في العلن أو حتى في الكواليس الضيقة.

صحيح أنّ الرئيس عون مع وصوله إلى رئاسة الجمهورية خرج بصورة جديدة ومختلفة، اختصرها شعار “بي الكل” الذي ارتضاه لنفسه، وهو يسعى لتحييد نفسه قدر الإمكان عن الدهاليز الانتخابية، إلا أنّ السؤال الذي يطرح، ما الذي يمنع رئيس الجمهورية من أن يكون له موقفه الانتخابي الخاص؟ ولماذا ما هو محرَّمٌ عليه بنظر البعض محلَّلٌ لغيره كرئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري، وبنظر نفس البعض؟!.

منطقٌ أم ازدواجيّة؟

يرفض رئيس الجمهورية ميشال عون التدخّل في الانتخابات، وينأى بنفسه عن دهاليزها وكواليسها وتفاصيلها. ليس مؤكداً إن كان مثل هذا السلوك نابعاً من قناعة ذاتية بأنّ الرئيس يجب أن يقف على الحياد في هذه الاستحقاقات، ويقف على مسافة متساوية من جميع المرشحين إلى الانتخابات، انسجاماً مع شعار “بيّ الكلّ”، أم أنّه يأتي خشية من ردّة الفعل الاستباقية التي لجأ إليها البعض، خصوصاً من خصوم “التيار الوطني الحر”، على قلّتهم في هذه الانتخابات، عبر الحديث عن استغلال الرئيس لنفوذه لدعم مرشحٍ هنا أو لائحة هناك.

على مدى الأسابيع الماضية، مورست الكثير من “الضغوط” على هذا الصعيد على رئاسة الجمهورية. نُسِب للرجل كلامٌ إيجابي مثلاً بحق قائد “فوج المغاوير” سابقاً العميد شامل روكز، المرشح عن دائرة جبيل–كسروان، ومع أنّ مثل هذا الكلام لم يخرج عنه علناً، شنّ منافسو روكز حملةً لم تنتهِ فصولاً بعد، على الرئيس الذي يفرّق بين المرشحين. أكثر من ذلك، حين بدأت الأنباء تتسرّب عن رعاية الرئيس لأحد المؤتمرات حول الديمقراطية في مدينة جبيل، انتشرت الإشاعات كالنار في الهشيم عن “جولة انتخابية” يقوم بها في كسروان نيابةً عن روكز ودعماً للائحته، ما اضطر المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية إلى نشر بيانٍ توضيحيّ يشرح ملابسات الزيارة وخلفياتها المحصورة بالمؤتمر المذكور.

في المقابل، لا يتوانى رئيسا المجلس النيابي نبيه بري والحكومة سعد الحريري عن اتخاذ المواقف الانتخابية الواضحة والمباشرة، بل والذهاب بعيداً فيها، كما يفعل الحريري، الذي يجول انتخابياً بين مختلف المناطق، ويطلق مواقف تحمل من التشنّج ما تحمله، في وجه بعض من يشاركهم الحكومة نفسها، وكما سيفعل بري على الأرجح، الذي يشارك خلال الساعات المقبلة في مهرجان انتخابي مركزي في مدينة صور الجنوبية. وإذا كان موقف الحريري وبري مبرّراً باعتبار أنهما مرشحان إلى الانتخابات، ومن الطبيعي أن يخوضا الحملات الانتخابية، وأنّ الرئيس ليس مرشحاً، ولا يمكنه أن يكون كذلك بموجب الدستور، فإنّ الأمر ينطوي بحدّ ذاته على “ازدواجية” مثيرة للجدل، خصوصاً أنّ “المنطق” الذي يلجأ إليه البعض لتفسيرها، عبر القول أنّ الرئيس هو “لكلّ لبنان”، ينطبق أيضاً على رئيسي الحكومة والمجلس، اللذين لا خلاف على أنّ “نفوذهما” بموجب اتفاق الطائف يتخطى “صلاحيات” الرئيس بأشواط وأشواط.

رسالة عامة

عموماً، وبعيداً عن هذا الجدل والنقاش الذي لا بدّ من الخوض فيه مستقبلاً، فإنّ الواضح أنّ رئيس الجمهورية يلتزم الحياد الظاهر في مقاربة الاستحقاق الانتخابي، الذي كان يعوّل عليه أصلاً منذ انتخابه رئيساً، هو الذي قال بعيد انتخابه أنّ “عهده” لن ينطلق عملياً إلا بعد الانتخابات النيابية، رافضاً تسمية الحكومة الأولى التي تشكّلت في ظلّ رئاسته بـ”حكومة العهد الأولى”، بانتظار التغييرات التي ستفرزها الخريطة الانتخابية.

ولعلّ الرسالة التي وجّهها الرئيس عون عشية انطلاق المرحلة الأولى من انتخابات المغتربين في الدول العربية، على أن تستكمل في الدول الغربية والأوروبية في الساعات المقبلة، تحمل من الدلالات ما تحمله أيضاً على هذا الصعيد، إذ كان واضحاً أنّ الرجل حرص على حصر حديثه في العموميات. تحدّث في المبادئ الانتخابية، داعياً إلى تلبية نداء الواجب الانتخابي، وإلى الاختيار بحرية ومسؤولية، بعيداً من وسائل الضغط والإغراء التي تفسد الضمائر، وتوجّه إلى المرشحين كذلك، من دون تمييز بينهم، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن التجييش الطائفي والمذهبي والتحريض لشد العصب، ومخاطبة عقل الناخبين لا غرائزهم. قيّم القانون الانتخابي بصورة عامة، من حيث الإيجابيات والسلبيات التي أظهرتها الممارسة، وأعاد الحديث عن المبادئ السياسية التي لا يفترض أن يختلف عليها اثنان، من رفض الرشاوى والوعود الانتخابية، وفق قاعدة أن “من يشتريكم يبيعكم”.

وإذا كان لافتاً أن فكرة “التغيير” لم تغب عن رسالة رئيس الجمهورية في معرض مخاطبته فئة الشباب على وجه الخصوص، بوصف الانتخابات “الطريق الوحيد للتغيير ضمن الديمقراطية”، فإنّ المفارقة أنّ الجهات التي لطالما اتهمته بالتدخل لصالح وزير الخارجية جبران باسيل في الانتخابات، سارعت إلى الترحيب برسالته، وفق قراءة أنها تدين باسيل قبل غيره. واستند هؤلاء من جملة ما استندوا إليه إلى حديث الرئيس عن “الصراع الذي نشأ بين أعضاء اللائحة الواحدة للحصول على الصوت التفضيلي”، والذي ردّه إلى المرشحين من أفراد اللائحة الواحدة وليس إلى الناخبين، وهو ما ينطبق على لوائح “التيار” أكثر من غيره، التي لا تزال التحالفات التي بنيت لتشكيلها غير مفهومة شكلاً ومضموناً. ورأوا في حديث عون عن المال الانتخابيّ ما ينطبق على لوائح “التيار”، التي برزت فيها ظاهرة “المتموّلين” بشكلٍ لا لبس فيه، وكذلك التأجيج الطائفي والمذهبي، الذي يستخدمه مرشحو “التيار” شأنهم شأن غيرهم من المرشحين بقوة، وفق قاعدة “ما يطلبه الناخبون”.

الخطر على الديمقراطية

عموماً، الأكيد أنّ المشكلة الفعلية التي تواجه ديمقراطية الانتخابات ترتبط بالممارسة الانتخابية بشكلٍ عام في لبنان، والتي عقّدها القانون النسبيّ مع الصوت التفضيلي المفصَّل على قياس البعض، بشكلٍ لم يسبق لم مثيل، وهي ليست لا في حياد رئيس الجمهورية أو تدخله فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا في التمييز بينه وبين رئيسي الحكومة والمجلس النيابي على هذا الصعيد، علماً أنّ الدستور يسمح للأخيرين بالترشح إلى الانتخابات، في حين أنّ رئيس الجمهورية يخسر مقعده النيابي بوصوله إلى قصر بعبدا.

لكن، إذا كان البعض يوحي بأنّ “تدخّل” الرئيس في الانتخابات يهدّد نزاهتها وديمقراطيتها، فالأولى به أن يعود إلى ما هو أخطر من ذلك، خصوصاً أنّه مشرَّعٌ في القانون وعلى الأرض، كأن يكون 16 وزيراً من الحكومة مرشحين إلى الانتخابات في مقدّمهم رئيس الحكومة، وما ينطوي على ذلك من استغلالٍ للنفوذ، أو كأن يكون وزير الداخلية نفسه مرشحاً إلى الانتخابات، وهو الذي يشرف عليها من ألفها إلى يائها، خصوصاً بعدما ثبت أن هيئة الاشراف على الانتخابات “شكلية”، ما يتطلب منه حياداً أكثر بكثير من رئيس الجمهورية أو أيّ شخصٍ آخر!

 

حسين عاصي

شاهد أيضاً

الجزائر: التغيير آت لكن السؤال عن الموعد والكلفة!

لم يكن الكثيرون يتوقعون توسع رقعة الإحتجاجات في الجزائر، ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة …