ما الحلول السريعة التي قد تتخذها الدولة الحكيمة في لبنان؟

تعاني الدول من انهيار أسعار صرف عملتها مقابل العملات الأجنبية الأساسية عند كل أزمة، فبالنسبة لإيران انهارت العملة إلى حدود غير مسبوقة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني وفرضه عقوبات على الشركات والدول التي تتعامل مع السلطة الحالية، فأعلنت كبريات الشركات الدولية كبوينغ، ايرباص وتوتال عن توقف خططها الاستثمارية هناك، وانسحاب شركات من السوق الإيرانيّة وسحبها لأرصدة في مصارف، ما أدّى الى لجم الاقتصاد وأثّر تأثيراً سلبياً مباشراً على العملة المحلية.

وبالنسبة لتركيا، فمع محاولة الانقلاب منذ عامين، وسجن عشرات آلاف رجال الأعمال، الموظفين الكبار، ورجال الأمن وموظفي القطاع العام والشرطة والجيش، أصبح الاقتصاد متشرذما، فأصبح المواطن في حال غير مستقرة على وطنه، فكيف يتصرف من يسجن رب عمله، أو معيله بالعملات النقدية التي يملك؟ وكيف يتصرف من يصبح غير مستقراً في وظيفته بمشترياته اليومية وعملاته النقدية التي يملك؟ ناهيك عن تغير وجه السلطة إلى أحاديّة بيد رجل واحد؟ ثم بإنفجارات وتهديدات أمنيّة على الحدود العراقية والسوريّة وفي الداخل، ما كان مانعاً لحركة ملايين السواح، وأتى عدم الاستقرار الأميركي-التركي على إثر قضية فتح الله غولن والقس الأميركي، لتساهم مجتمعة في انهيار عملتها.

بينما لبنان، الوضع قد شكل ويشكل عاملاً سلبياً دائما وأبداً فمنذ عام 93 وبرغم الأموال المتدفقة نتيجة حركة الإعمار، إلا أن سياسة تثبيت سعر الصرف للعملة المحلية في ظل قدوم مليارات الدولارات كودائع مصرفية لدول وحكومات بالعملة المحلية، مع استدانة عشرات المليارات وضخها في السوق المحلي كإستثمارات في البنى التحتية وفي كافة المشاريع الصحية والتربوية وغيرها، اعتبر ضربة غبية، حيث كان الهدف منها إعطاء ضمانة لأصحاب الودائع الكبيرة على أموالهم، عدا عن أسعار الفائدة الخيالية، والتي كانت أكبر من أي إيرادات استثمارية داخلياً أو خارجياً، مع تعارض التثبيت والطمأنة، مع الأرباح التي يجب أن تكون ناتجة عن المخاطرة التي يتكبدها صاحبها.

حيث كان الأجدر أن يكون للعملة هامش حركي عالٍ ومنخفض تتحرك بموجبه وتشكل عاملا داعماً، كما تساهم في لجم السياسي المتثعلب الذي يراهن على أوراق خارج حدود وطنه، فيعلو صوته على شريكه في الوطن عند كل هزة أمنية، فترتعد أركان إقتصاد وطنه، لا أن ينفق مصرف لبنان لمليارات الدولارات من ودائعه وموجوداته من أجل سعر اسمي غير واقعي.

 لذا ومن هنا ما الإجراءات الكفيلة بدعم الاقتصاد الحالي والعملة المحلية:

1)تخفيض أسعار الفائدة للقروض الإنتاجية الخاصة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مع وضع سقف لها لا يتجاوز الـ100 ألف دولار، مع تقديم دراسة جدوى لفعالية التمويل والمشروع.

2)مراقبة حسن صرف القروض السابقة المدعومة من مصرف لبنان ومن المؤسسات الرديفة (كفالات) وإرجاعها للدولة إذا لم تصرف على مشاريع إنتاجية مع غرامات على المخالفين.

3)إعادة النظر بسياسات التسليف والشروط التعجيزية، والقروض المجنونة التي توزع غب الطلب لأصحاب الحظوة.

4)الوصول لحلول سريعة لتصدير المنتجات اللبنانية من خلال سوريا والأردن فالعمق العربي.

5)فرض ضرائب عالية على المستوردات التي لها مثيل لها في الصناعة اللبنانية (المثيل لا يكون شركة أو معمل لجهة سياسية) بل قطاع يعمل به آلاف العمال والموظفين.

6)وضع هامش تذبذب لسعر صرف العملة الوطنية، سيؤدي حكماً وفي ظل الظروف الراهنة إلى تدهور فيؤدي الى اضعاف الكتلة التضخمية الناتجة عن زيادات الأجور السابقة.

7)مراقبة ارتفاع الأسعار في الأسواق الداخلية وخاصة للسلع الإستهلاكية الضرورية وهنا يمكن تعاون شرطة البلديات، مع المراقبين لمختلف الوزارات.

8)ان هامش التذبذب سيؤدي الى زيادة القدرة التنافسية للصادرات اللبنانية أصلاً والتي لها أسواق خارجية والتي تتمتع بنوعية جيدة، كما يزيد الطلب عليها داخلياً، وسيؤدي حكماً بالأسر إلى تخفيض الإستهلاك القادم من الخارج.

9)إعطاء أوامر للدولة كمستهلك أساسي وحيوي إلى شراء جميع التلزيمات والسلع من منتجين محليين مباشرين ومن دون وسطاء.

10)حُسن رقابة نوعية الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي، ورفده بإجراءات لتقويمه وتطويره وتحسين جودته.

11)قيام أسواق داخلية مباشرة لتسويق المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية أسبوعيا من المنتجين والصناعيين إلى المستهلكين، يمكن للبلديات والتعاونيات لعب دور حيوي في هذا الشأن، تكون في شتى الأقضية.

12)تشجيع المؤسسات الصغيرة على الصمود والمجابهة عبر سياسات تحفيزية، مثل اعطائهم إمكانية الضمان الإختياري لأصحابها ولعائلاتهم ما يزيد بالمقابل إيرادات الضمان الاجتماعي ويخفض عليهم التكاليف الصحية.

13)إعطاء حوافز للمؤسسات الصغيرة عن طريق أسعار وضرائب منخفضة للهيكلية القانونية، الملكية الفكرية، الإنضمام إلى غرف التجارة والصناعة، التدريب الفعال ذو الكلفة المخفضة في شتى الحقول والمجالات لأصحابها وموظفيها والعاملين بها.

14)ضرائب تحفيزية، من غير المنطقي أن تكون الضريبة متساوية لكافة المؤسسات والقطاعات وفي جميع الفروع الاقتصادية، بل الأجدر توزيعها حسب جدول الإيرادات (دائرة كبار المكلفين يمكن أن تلعب دوراً مباشراً هنا).

15)ان جميع المؤسسات التي تعمل على الأراضي اللبنانية يجب أن تسعر سلعها بالعملة الوطنية، ولا يجب أن تتعامل إلا بالليرة اللبنانية، هذا ما تفعله أكبر الدول السياحية في المنطقة والعالم، حيث يجب فرض ضرورة الدفع بالعملة الوطنية، (فنادق، مطاعم، محلات كبرى، شركات اتصالات، الخ) ما يساهم في زيادة الطلب عليها.

16)السحوبات من الصراف الآلي لا يجب أن تتم إلا بالعملة المحلية حتى ولو كان الحساب بالدولار أو بالين، فإجراءات السحب يقوم بها صاحب الحساب لأنه يقطن في دولة وهذه الدولة لديها عملة محلية؛ مع العلم أن هذا الإجراء يخفض المضاربات وأي أسواق موازية لأن السحب يتم عبر سعر معترف به.

17)السعر عبر محلات الصيارفة سعر رسمي معلن بشكل واضح للعيان وللمارة، يجب إعطاء فاتورة بموجب أي عملية تتم داخل تلك المحال، التي عليها أيضاً أن تكون مرخصة من الجهات المعنية.

18)صرف مبلغ 200 مليون دولار لمؤسسة الإسكان المحدود الذي لا يتجاوز حجم القرض فيه المئة ألف دولار يساهم بشكل مباشر في دعم القطاع العقاري إلا أنه لا يسبب فجوة تضخمية، كما يساهم في دعم قطاع المفروشات، والأدوات المنزلية وخلافه.

19)محاسبة المصارف التجارية التي تدخلت في المضاربات على العملة المحلية من خلال دولرة ودائعها وودائع زبائنها بفعل المنافسة فيما بينها وإعطاء فوائد مرتفعة وصلت لحد الـ16% للودائع المتوسطة والـ20% على الودائع الكبرى، نتيجة الفروقات في أسعار الفوائد بين الليرة والدولار وذلك خاصة خلال العامين السابقين.

20)تحويل سياسات إعطاء القروض من استهلاكية الى استثمارية، فقرض السيارة استهلاكي، وقرض 10 آلاف دولار يستخدم للسياحة الخارجية أو خلافه استهلاكي، وتحويل نسبة كبيرة إلى تمويل المشاريع الصغيرة، أو موجهة لشراء منتجات محلية، والمصارف التجارية يمكن لها القيام بتعاقدات وتعاون مع منتجين محليين في حقول ومجالات متنوعة.

هذه الإجراءات التي سبق وتم ذكرها آنفاً، يمكن إعتمادها سريعاً وغير مكلفة نوعاً ما على الدولة التي نقطن بها، إلا أن إرتداداتها سريعة وفعالة.

فرحات أسعد فرحات مستشار إقتصادي

شاهد أيضاً

لبنان بين داريوس والإسكندر

منذُ نحوَ ألفَين وخمسِمائةِ سنةٍ والفُرسُ طرفٌ أساسيٌّ في غالِبيّةِ حروبِ وثوراتِ فينيقيا والشرقِ. إمبراطوريّةٌ …