مشكلة عون مع جعجع لا الحريري…

أوحى الكلام الأخير المنسوب لرئيس الجمهورية ميشال عون حول “مهلة زمنية” للتأليف تنتهي مطلع شهر أيلول، بتوتّرٍ جديد على خط العلاقة مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، بل ذهب البعض لحدّ ترجيح “انفجار” العلاقة مع بدء العدّ العكسي لانطلاقة أيلول، خصوصاً أنّ بعض المقرّبين من الرجل لم يتردّدوا في المجاهرة برفض كلام عون، واعتباره بمثابة “انقلاب” ليس على التسوية الرئاسية فحسب، بل على الدستور برمّته.

وفي وقتٍ لا تزال الساحة عرضة للتفسيرات والتفسيرات المضادة والتأويلات لكلام عون، بين من قرأ فيه “مهلة حثّ” يدفع الرئيس باتجاهها لمساعدة الحريري، وبين من اعتبره تمهيداً لـ”سحب التكليف” من الأخير بطريقةٍ أو بأخرى، أعاد السجال المتجدّد بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” خلال الساعات الماضية تصويب الصورة، ليؤكد أنّ مشكلة عون و”التيار” ليست مع الحريري بقدر ما هي مع رئيس حزب “القوات” سمير جعجع…

“الانقلاب” غير وارد

لا يبدو واقعياً ولا منطقياً الطرح الذي انتشر في الأوساط السياسية خلال اليومين الماضيين عن أنّ رئيس الجمهورية يريد “سحب التكليف” من رئيس الحكومة المكلف، بعد “فشله” في تأليف حكومة الوحدة الوطنية طيلة ثلاثة أشهر، وأنّ الكلام الأخير الذي نُسِب إليه، وأظهر بوضوح أنّ صبره نفد وكيله طفح، ليس سوى تمهيد لسيناريو من هذا النوع، خصوصاً في ضوء رفض الحريري البحث بأيّ مَخارِج أخرى من نوع الذهاب إلى حكومة أمر واقع أو حكومة غالبية أو ما شابه.

وإذا كانت “الاجتهادات الدستورية” تكاثرت خلال الساعات الماضية عن الخطوات التي يمكن لرئيس الجمهورية اتخاذها في هذا السياق، ولو أنّ الدستور لا يقيّد رئيس الوزراء بمهلة محدّدة لتأليف حكومته، فإنّ منطق الأمور لا يوحي أبداً بأنّ كلّ السيناريوهات المتداولة قابلة للتطبيق على أرض الواقع، لسببٍ بسيط وجوهري، وهو أنّ الرئيس عون لن يغامر بـ”انقلابٍ” على الحريري، لا شكّ أنّ عهده سيكون المتضرّر الأول منه، ليس على طريقة “انقلاب السحر على الساحر”، ولكن لأنّ لا مصلحة للعهد من قريب أو بعيد بأزمةٍ من هذا النوع عشية تأليف ما اصطلح على تسميتها بـ”حكومة العهد الأولى”.

وعلى الرغم من أنّ الكثير من المحيطين بعون والمقرّبين منه، ولا سيما في أوساط “التيار الوطني الحر” يؤكدون وجود “بدائل” للحريري يمكنهم تشكيل الحكومة في حال سُحِب التكليف من الرجل، فإنّ هؤلاء يقرّون قبل غيرهم بأنّ الذهاب لمثل هذا السيناريو “إشكاليّ”،  خصوصاً أنّ من شأنه ضرب كل المرتكزات التي يقوم عليها “العهد القوي” ولو لم تكن مستندة إلى الدستور والقانون، والتي تسير وفق منطق “الأقوى في طائفته”، وهنا لا شكّ في أنّ الحريري هو الأقوى سنياً، ما يستدعي التمسّك به.

أكثر من ذلك، يدرك المحيطون بعون والمقرّبون منه أنّ أيّ خطوةٍ “انقلابية” على الحريري لا يمكن أن تكون محمودة، خصوصاً في الشارع الذي يمكن أن “ينتفض”، ولعلّ ما حصل منذ فترة من تحرّك “عفوي” لبعض مناصري الحريري رفضاً لكلامٍ لأحد الصحافيين طال الرجل، لم يكن سوى “بروفا” أو “رسالة” إن جاز التعبير، علماً أنّ الحريري يحظى أيضاً بدعم دار الفتوى، ومواقف مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان أكثر من واضحة على هذا الصعيد.

الحريري “محاصَر”؟

بالإضافة إلى كلّ ما سبق، لا تبدو فكرة “الانقلاب” على الحريري واردة في قاموس رئيس الجمهورية، لاعتباراتٍ كثيرة، بينها التجارب السابقة التي لا تصبّ في صالح استبدال “الأقوى” بغيره تحت أيّ ظرفٍ، ولكن أيضاً لاعتبارات متعلّقة بنظرة الرئيس إلى واقع الحريري والعقبات الحقيقية التي تحول دون تأليف الحكومة.

وفي هذا السياق، لا يتردّد البعض في “التيار الوطني الحر” في المجاهرة بالقول إنّ الحريري “محاصَر”، وهو مسيَّر وليس مخيَّراً، وإنّ المشكلة الحقيقية والفعلية هي مع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، لا الحريري. وإذا كان هؤلاء يغمزون من قناة العوامل الخارجية على خط التأليف، فهم لا يتردّدون في القول صراحةً إنّ الحريري لا يقف على خاطر جعجع، وكذلك رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، إيماناً بأحقية مطالبهما، بقدر ما هو تنفيذ لرغباتٍ وأجنداتٍ خارجيّة، خصوصاً أنّ الحريري “قاطع” جعجع لفترة طويلة بعد أزمة استقالته، قبل أن يعود لاعتباره اليوم “حليفاً استراتيجياً” وكأنّه “مجبَرٌ” على ذلك.

ويلفت “العونيون” على هذا المستوى إلى أنّه أصبح واضحاً أنّ “الامتيازات” التي كان يتمتع بها الحريري في السابق، وتحديداً ما قبل استقالته الشهيرة في العاصمة السعودية الرياض، لم تعد على حالها، بل ثمّة من يقول إنّ “الرضا” عليه لم يعد “مطلقاً”، بل أصبح “مشروطاً”، وهو ما يتجلى اليوم بوضوح في أزمة التأليف. ولذلك كلّه، هم يشيرون إلى أنّ المشكلة ليست معه، بل مع جعجع، مستغربين “الضبابية” في موقف الأخير، وكيف أنّه كلما ساد حديث عن “حلحلة” عقدة، يعود ليفتح سجالاً جديداً بعد طيّه، كما حصل مثلاً في مسألة حصّة رئيس الجمهورية، التي يفترض أنها حُسِمت، فإذا بـ”الحكيم” يعود لإثارتها من جديد في حديثه التلفزيوني الأخير، بما يطرح الكثير من علامات الاستفهام.

ليتواضع الجميع…

لا يريد “التيار الوطني الحر” الانقلاب على الحريري أو غيره، ولكنّه يريد حكومة في أسرع وقت ممكن، كما تؤكد أوساطه، علماً أنّ أحداً لا يشكّ أنّ الحريري يريد أيضاً حكومة، لبسط سلطته، ولوضع حدّ لكلّ المعارك الافتراضية التي يخوضها البعض حول الصلاحيات وغيرها.

وفيما يوجّه “التيار” الرسائل في شتى الاتجاهات، محمّلاً الحريري تارة المسؤولية في العرقلة كونه رئيس الحكومة المكلف وبالتالي المعني بالتأليف، وجعجع تارة أخرى المسؤولية من خلال محاصرة الحريري والتضييق عليه، ثمّة من يوجّه إليه في المقابل الاتهامات، على اعتبار أنّ جميع العقد مرتبطة به، وبسقفه العالي أيضاً.

وبين هذا وذاك، يبقى الأكيد أنّ المطلوب ليس انقلاباً ولا من يحزنون، بل تواضعاً يعكس رغبة حقيقية وإرادة جدية لتأليف الحكومة، إن توافرت…

 

حسين عاصي

شاهد أيضاً

واشنطن غير معنية للقيام بأي دور لتسريع تشكيل الحكومة اللبنانية؟!

“نحن نأمل تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، وننتظر”… قد يختصر هذا الجواب المقتضب لأحد الدبلوماسيين …