من أين لك هذا؟

لم يصدف أنْ صمتَ سياسي في هذه الايام في لبنان. كلّهم يريدون محاربة الفساد. من افسد؟ أو غطّى الفاسد طيلة العقود الماضية؟!.

اذا كان اللبنانيّون أعادوا انتخاب نفس الطبقة السياسيّة، مع تعديلات بسيطة، فهو لا يتحمّل تغطية ارتكابات سياسيين متورطين. لأنّ الشعب كان بمجمله أسير المعتقلات الطائفيّة والمذهبيّة التي أباحت السرقات والسمسرات والصفقات، بغطاء طائفي او مذهبي، واحيانا مناطقي.

فلنصدّق ان الذين شاركوا بالحكم منذ اتفاق الطائف حتى الآن يريدون مكافحة الفساد. ولنصدّق أنهم كانوا لا يعلمون عن مسارات مزاريب الهدر. المسألة أبعد من وجود صناديق ومجالس. بل بممارسة سياسيّة واداريّة جهّلت هويّة الفاسدين.

سؤال بسيط يشكّل المدخل الحقيقي لمحاربة الفساد بجدّية، لا بإدّعاءات: من اين لك هذا؟!.

فليُستدعى المسؤولون السياسيّون، الوزراء، المدراء العامون، الموظّفون المرموقون، السماسرة الكبار، المتعهّدون. وليطرح عليهم السؤال البسيط، الذي يجرّ تحقيقات موسّعة متشعبة: كيف ومتى جمعت ثروات طائلة بعد أن كنت فقيرا، او بأحسن الاحوال ميسوراً؟ كيف اشتريت الاراضي ووضعتها بأسماء افراد العائلة؟ من اين حصلت على الأموال لشراء شقق سكنيّة، لأفراد عائلتك ايضاً، تقدر بملايين الدولارات؟!.

فليستدعى وزراء فاحت حولهم روائح الفساد بين الشعب وعلى صفحات الجرائد. أين ذهبت اموال وزاراتهم؟ وقد بقيت البنى التحتيّة عاطلة، والطرق سيّئة، ومباني الدولة ميؤوس من اصلاح اعطالها، او مستأجرة باسعار خياليّة احيانا، والتهريب الجمركي ناشط تاريخيًّا، ومفاتيح السمسرات والسماسرة معروفون بالاسم الكامل، والمهام الموصوفة، والعلاقات الحارة مع المسؤولين من وزراء ومدراء.

اسألوا المزارعين عمّن كان يوقّع القرارات، لمنع او ادخال موادّ للزراعة، بحسب العمولات. اسألوا الصناعيين أيضًا ذات السؤال. اسألوا في قطاعات النفط، والكهرباء، عن سبب التقصير وسوء المعالجات منذ عقود رغم كل الاموال التي دفعت للقطاع المذكور.

دقّقوا في كل الوزارات من دون استثناء. فلترفع السريّة المصرفيّة في الداخل والخارج عن كل الذين توالوا على المسؤوليّات منذ الطائف، أيّ منذ بدأ الدين المالي يتراكم.

فليتمّ جلب المتّهمين للدفاع عن أنفسهم، وتبرير حصولهم على الاموال. فليُسأل المتقاعدون قبل الموجودين. محاربة الفساد تبدأ من أعلى الهرم، وحين يحاسب مسؤول كبير، ووزير ومدير، سيقلق صغار الفاسدين ويتّعظوا…

في اعلى الهرم يكمن الفساد. هناك سُرقت مليارات الدولة، بإشراف سياسيّ من بعض الذين ينادون بمحاربة الفساد الان. وإلاّ كيف يمكن ان يسمّي أي فريق وزيرا دورات عدة، تدور حوله علامات استفهام ماليّة علناً؟ وكيف يتم التمديد لمدير يتهمه الموظفون بالفساد؟!.

ألف باء مكافحة الفساد تبدأ بالتحقيق مع جميع المسؤولين من دون استثناء، للإجابة عن السؤال المركزي: من اين لك كل هذا؟ انت وزوجتك وابناؤك؟!.

فمتى تكون تلك الثورة اللبنانيّة الذاتيّة؟ من دونها، لن يقوم البلد من كارثته. وحده الشعب سيدفع الثمن.

شاهد أيضاً

دمشق وحلفاؤها تعليقا على المبادرة “القواتية”: ترجمة للموقف الأميركي ولا تستأهل النظر فيها

حوّل حزب “القوات اللبنانية” مؤخرا مواقفه من أزمة النازحين السوريين والسبل الى حلّها الى مبادرة …