من دمشق الى عفرين… تفاوض على صفيح ساخن

تتقاسم دمشق وعفرين المشهد ذاته في الفصل ما قبل الأخير من فصول الأزمة السورية. الفصل الأخير سيتوزع لاحقا بين درعا وادلب. هل تنجح الحملات العسكرية في حسم المشهد الحالي؟. كل المؤشرات توحي بالاستعداد لفرض الحسم، لكن التفاوض هو الاساس لتحقيق الهدف بقوة التهديد والوعيد. الفارق أن دمشق تسعى لفرض سيادة الدولة على ريفها في الغوطة، بينما تحاول أنقره رسم حدود دور الكرد في المعادلة الجديدة. في المساحتين تميل الكفّة لصالح سوريا: اعادة عفرين وغوطة دمشق الى حضن الشرعية. في الشمال تبدو المعركة أسهل، لأسباب بالجملة: اولا، تتوحد الجبهة الداخلية ضد الهجوم التركي، ويعود الكرد الى “رشدهم” السوري بعدما راهنوا في السنوات الماضية على انفصال واستقلال عن الوطن الأم. لم يجد الكرد الى جانبهم حاميا ومدافعا سوى الدولة السورية بكل عناصرها العسكرية والسياسية والشعبية. ثانيا، تتلاحم القوات الشعبية السورية مع الكردية في الدفاع عن أرض سوريا تحت راية العلم الوطني. لهذه الخطوة رمزيتها ودلالاتها بعد نزاع وكر وفر وخصومة واتهامات بالخيانة. ثالثا، مراوحة القوات التركية في مكانها من دون تحقيق خطوات فعليّة في العملية العسكرية ضد عفرين. لم تحقق أنقره مرادها بل ساهمت في تقريب المسافات بين السوريين انفسهم، كردا وعربا. رابعا، تأكيد الروس أن حل الأزمة يكمن بالحوار المباشر بين انقره ودمشق، ضمن اطار وحدة الاراضي السورية، ما يعزز موقف دمشق، ويعيد تركيا الى المربع الاول الذي رفضت فيه التحاور أو الاعتراف بشرعية الدولة السورية منذ بدء الازمة. خامسا، الضياع التركي ازاء جدوى الهجوم على عفرين، بعد تناقض المواقف السياسية بشأن دخول الجيش السوري بين ترحيب وزير الخارجية مولود جاويش اوغلو، ثم رفض الرئيس التركي رجب طيب اردوغان. الأهم هنا أن سوريا تخوض معركة دفاع وطني عن ارضها شمالا”.

لكن في ريف العاصمة تختلف المقاييس. المسلحون تمركزوا طويلا في الغوطة، وبنوا تحصينات بين أحيائها وخفاياها وفرضوا التعايش بين اهلها ومجموعاتهم على مدى سنوات سبع. الخطير أن المسلحين يدركون أن اطلاق قذائفهم نحو قلب العاصمة يقلق دمشق، غير أن تلك الخطوة ستعجّل في الحسم العسكري الذي يحضّر له الجيش السوري. الجماعات التابعة لتركيا في الغوطة الشرقية أي “أحرار الشام” و”فيلق الرحمن” انضموا الى القتال في غرفة عسكرية موحّدة مع “جبهة النصرة” و”جيش الاسلام”، ما يرفع من وتيرة المواجهة العسكرية. كلا الفريقين، الجيش السوري والمسلحون قررا خوض معركة وجودية، باعتبار أن دمشق تسعى لاعادة الغوطة الى حضن الدولة، والمسلحون يدركون أن المعركة حاسمة لا عودة فيها الى زمن مضى، الخيار الوحيد بين اثنين: امّا الهروب أو خوض القتال. العنوان الاول يفرض نجاح التفاوض الذي ترعاه موسكو تحت النار على اساس تجربة حلب. السيناريوهات متعددة، لكنها تلتقي عند هدف واحد: المعادلة تغيّرت وليس مسموحا بقاء الريف الدمشقي رهينة مسلحين يأتمرون بالخارج. التسوية ممكنة وواردة، والتجارب في حمص وحلب والقلمون تؤكد ان الغوطة الشرقية بكل الحالات ستعود الريف الآمن لدمشق.

 

عباس ضاهر

شاهد أيضاً

صبر الحريري لن ينفد… فهل نفد صبر باسيل؟!

بين بيانَي كتلة “المستقبل” برئاسة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وتكتل “لبنان القوي” برئاسة وزير …