مهلا القدس ليست عاصمة المسلمين!

القدس ليست عاصمة المسلين، كما أن طرابلس ليست قلعة المسلمين!

كلام مريب أم كلام مزعج؟ قد يشعر بالخوف من يريد أن يتلفظ به، وقد يشعر بالذل من يردده في أعماق نفسه ولا يظهره للعلن…

لا يا سادة، بل هو كلام حق وكلام حب وكلام سلام. كلام صدق ووعي قبل فوات الأوان. كلام يجب أن يقال اليوم قبل الغد. وكم كنت أتمنى لو صدر عن “الكبار” من بني جلدتي قبل أن يصدر عني!.

لا أقول قولي هذا لأني مسيحي، بل محبة بالإسلام وسائر الأديان. لأنه لو انطلقنا من هذا المنطلق لأصبح واجبا علينا أن نقول أن القدس عاصمة المسيحيين قبل أن وُجد الإسلام. وهي عاصمة اليهود قبل أن وُجد المسيحيون، ولست أدري عاصمة أي دين تكون قبل أن وجد إبراهيم!.

ولو انطلقنا من هنا فستستمر الحروب، لأنه سيأتي لاحقا من يطالب بها بعاصمة لدينه لأنه مر من هناك في زمن ما، وسيستمر النزاع على هذه الأرض الأم التي شبعت من دماء بنيها وجفت في عيونها الدموع!.

وإن كانت عاصمة المسلمين فعاصمة أي مسلمين؟ الشيعة أم السنة أم العلويين أم غيرهم؟ وكأنه لا يكفي الخلاف والاختلاف على قبر المسيح المسكين!.

يا سادة، ليس للأديان عواصم. الدين الحق عاصمته السماء، مسكن الله وملائكته. والإيمان مسألة شخصية حرة تتعلق بالإنسان وخالقه. وما دمنا لم نفصل الدين عن الدولة والعاصمة، فسيستمر شقاؤنا. بات علينا أن نحكّم العقل قبل العاطفة في مشاعرنا ومشاريعنا وشعاراتنا.

ولعل من يسأل اليوم في الخفاء ووراء سياج الخوف، وربما أيضا من منطلق تعصب مظلم، لماذا لا تطالب الكنيسة بالقدس؟ لماذا لا يعلنون الحرب لاستعادتها؟ أليست مهد المسيح يوم ولد، أليست الأرض الذي ارتفع عليها صليبه؟ أليست منبع قيامته يوم بُعث حيا؟.

لا تطالب الكنيسة اليوم بأورشليم أرضية ولا بأي أرض ولا تجهزّ الحملات الصليبيّة، لأنها أرتقت إلى مكان آخر. عرفت أن أورشليم الإيمان هي سماوية، سمعت صوت المخلص القائل: “تأتي ساعة فيها تعبدون الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم. تأتي ساعة -وقد حضرت الآن- فيها العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح والحقّ فمثل أولئك العباد يريد الآب. إن الله روح فعلى العباد أن يعبدوه بالروح والحق”.

لا تطالب الكنيسة اليوم لا بدولة للمسيحيين ولا بعاصمة، لأنه لم يعد هناك مسيحيّة سياسيّة وتم فصل الدين عن الدولة. إنما تطالب الكنيسة، كما المسيح، بمملكة ليست من هذه الأرض لتحلّ على هذه الأرض، هي مملكة لجميع بني البشر ينعمون فيها بالمحبة والعدالة والحريّة ويشيّدون عليها ملكوت الله وهياكل الإنسانيّة المقدسة.

وما دام اليهود والمسلمون لم يفصلوا الدولة عن الدين فلا حلّ في الزمن المنظور! وما داموا لم يجلسوا معا في قدس سماويّة من أجل حوار بلا شروط يقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وحق الشعوب بالأوطان والعواصم، سيبقى الرصاص يلعلع وستبقى الحجارة تتناثر.

وما ابتلاء أدياننا إلا بسبب تعلقها بالدنيا وبالدول ومناصبها وكراسيها، ونسيانها لله المحبة والخير. فبدلاً من أن نرتقي بأدياننا إلى الإيمان وبأوطاننا إلى المواطنة والإنسانية، ملأنا الأرض دماء وهدمنا المساجد والكنائس… إلى أن أصبح هيكل سليمان أفضل حالا منها!.

فما نقول في القدس إذن؟ القدس عاصمة فلسطين، وفلسطين يجب أن تكون دولة مستقلة مدنية تحترم كل الأديان وكل الناس على قاعدة العدالة والمساواة والكرامة البشرية. وإذا لم يكن هذا هو المطلوب فالأفضل أن نجعل من القدس مدينة مفتوحة وليست عاصمة لأحد!.

القدس عاصمة فلسطين، وفلسطين بلد التلاقي والحرية واحترام الأديان والشعوب احتراما كاملا لا التباس فيه. هذا إيماننا وهذا مطلبنا.

 

الأب عبدو رعد راهب مخلّصي

شاهد أيضاً

هكذا سينتهي التحقيق بشُبهة الفساد في وزارة الإتصالات اللبنانيّة

كان من المُفترض أن تعقد لجنة الإعلام والإتصالات النيابيّة إجتماعًا لها العاشرة من قبل ظهر …