مَسيحيّو “الجبل” يُناشدون قياداتهم رفض “الفتات”

منذ نحو عقدين ونصف نجح رئيس “الحزب التقدّمي الإشتراكي” وليد جنبلاط في فرض زعامته على كل من الشوف وعاليه، مُستفيدًا من قوانين إنتخابيّة غير عادلة تارة، ومن تحكّم بإرادة الناخبين بفضل وزارة المُهجّرين تارة أخرى، ومن خوف وتردّد جزء من الناخبين المسيحيّين طورًا. ومع الوقت تحوّلت منطقة “الجبل” إلى دائرة إنتخابية مُقفلة لصالح الزعامة الجُنبلاطيّة، خاصة وأنّ الكثير من مسيحيّي الشوف وعاليه أصبحوا أسرى “عقدة النقص” التي نجح النظام الأمني السوري-اللبناني في ترسيخها في أذهانهم خلال حقبة التسعينات وُصولاً إلى العام 2005، عبر نفي وسجن وإضطهاد قادتهم. واليوم، يُحاول النائب جنبلاط الحفاظ على زعامته في “الجبل” عبر تشكيل لائحة إنتخابيّة تحفظ موقعه، مع تركه بعض المقاعد المعدودة للأحزاب والتيّارات المسيحيّة على إختلافها، تحت راية “تمثيل الجميع”. فهل سينجح في ذلك، أم سيكون للقيادات المسيحيّة رأي آخر؟.

بالنسبة إلى قيادات الأحزاب والتيّارات المسيحيّة، وفي طليعتها كل من قيادتي “التيار الوطني الحُرّ” وحزب “القوّات اللبنانيّة” فهي لا تزال تتريّث في حسم خياراتها، وتدرس الواقع الإنتخابي بكل أبعاده ليس في دائرة “الشوف-عاليه” فحسب إنّما على كامل مساحة لبنان، حيث أنّ الخيارات مفتوحة على كل الإحتمالات على صعيدي التحالفات والتموضعات الإنتخابية. لكنّ بالنسبة إلى قواعد هذه القوى التي تُمثّل خزاناتها الشعبيّة على الأرض، النظرة إلى إنتخابات “الجبل” مُختلفة تمامًا، حيث يظهر واضحًا خلال حُضور الإجتماعات التحضيريّة التي تتمّ في القرى والبلدات في الشوف وعاليه، رفض تام لإستمرار السياسة الإنهزاميّة التي كانت سائدة في الدورات الإنتخابيّة في الماضي القريب. وتُوجد مُناشدة واضحة وصريحة مُوجّهة من قبل هذه القواعد الشعبيّة على إختلاف إنتماءاتها الحزبيّة، وخُصوصًا قواعد كل من “التيّار الوطني الحُرّ” وحزب “القوّات اللبنانيّة” اللذين يتمتّعان بحُضور وازن في “الجبل”، إلى قياداتها بضرورة رفض ما يتمّ عرضه عليها من مقعد هنا ومقعد هناك للإنضمام إلى اللائحة التي يقوم النائب جنبلاط بتشكيلها، وتصف هذه القواعد ما يُعرض على أحزابها وتيّاراتها بالفُتات الذي لا يليق إطلاقًا بتاريخ الوُجود المسيحي في الجبل ولا بالتمثيل الشعبي المسيحي الحالي فيه، والذي لا يتناسب أيضًا مع القانون الإنتخابي الجديد الذي أخرج الأقليّات من تحت عباءة الأكثريّات، فكيف بالحري لمن ليس بالأقليّة على الإطلاق!.

وتنطلق قواعد كل من “التيار الوطني الحُرّ” وحزب “القوّات اللبنانيّة” الشعبيّة من جملة إعتبارات ووقائع لحثّ قياداتها على رفض الدُخول في تحالف مع “الحزب التقدّمي الإشتراكي”، وعلى خوض معركة إنتخابيّة ديمقراطيّة إن لم يكن بشكل مُستقلّ، فعبر تعاون ثنائي بين “التيّار” و”القوّات”، أو عبر تحالفات سياسيّة مناطقيّة لكل منهما على حدة لكن من خارج “العباءة الجنبلاطيّة”-إذا جاز التعبير. وأبرز الإعتبارات والوقائع التي ترتكز إليها هذه القواعد في مُناشدتها لقيادتها ما يلي:

أوّلاً: إنّ عدد مقاعد دائرة “الشوف-عاليه” يبلغ 13، منها 7 مقاعد للمسيحيّين، في مُقابل 4 مقاعد للدروز و2 للسنّة، وإنّ عدد الناخبين المسيحيّين في هذه الدائرة الإنتخابيّة من كل المذاهب يبلغ 122825 ناخبًا (يُشكّلون ما نسبته 37,75 % من إجمالي الناخبين)، في مقابل 131929 ناخبًا درزيًا (40,55 %) و60738 ناخبًا سنيًا (18,67 %) و8444 ناخبًا شيعيًا (2,6 %). وبالتالي لماذا يُشكّل النائب جنبلاط-على الرغم من أنّه الأقوى بدون منازع على الساحة الدرزيّة، كامل اللائحة، ويُوحي بأنّه “يتنازل” عن بعض المقاعد لتمثيل الأحزاب المسيحيّة، في الوقت الذي يُفترض أن يتم تشكيل أي لائحة توافقيّة أو إئتلافيّة عبر توزيع منطقي وعادل على كل الطوائف والقوى السياسيّة في “الجبل”؟!.

ثانيًا: في إنتخابات العام 2009، أحجم عدد كبير من الناخبين المسيحيّين بالتحديد عن التصويت، باعتبار أنّ المعركة محسومة بفعل القانون الأكثري، بينما سيحثّ القانون النسبي الجديد المزيد من هؤلاء على الإقتراع لأنّ لكل صوت إنتخابي أهمّيته الكُبرى. إشارة إلى أنّه في حال بلغت نسبة الإقتراع 50 % فقط من عدد هؤلاء الناخبين، فهذا يعني أنّ أكثر من 61000 ألف ناخب مسيحي سيقترعون في دائرة “الشوف وعاليه” التي يُرجّح أن يبلغ الحاصل الإنتخابي فيها نحو 13000 صوت، ما يعني عمليًا القُدرة على إيصال 4 نوّاب من دون منّة من أحد، ومن دون إحتساب أي أصوات مُضافة من الطوائف الأخرى تبعًا للتحالفات التي سيتمّ نسجها بطبيعة الحال.

ثالثًا: إنّ نقمة القواعد الشعبيّة لكل من”التيّار الوطني الحُرّ” و”القوات اللبنانيّة” في دائرة “الشوف-عاليه” تنطلق خُصوصًا من أنّ النائب جنبلاط عرض أن ينال “التيّار” نائبين أحدهما عن الشوف والآخر عن عاليه وأن تنال “القوّات” نائبًا واحدًا عن كل الدائرة الإنتخابيّة، علمًا أنّ أرقام إنتخابات العام 2009 تُثبت بما لا يقبل الشكّ أنّ “التيّار” و”القوّات” قادرين كلّ على حدّة – وحتى في حال الترشّح ضمن لوائح غير قويّة بتحالفاتها وبامتداداتها، كسب العدد المطروح من رئيس “الإشتراكي” بكل سهولة! أكثر من ذلك، في حال دخل “التيّار” في تحالف مع قوى درزيّة وسنّية مُعارضة للنائب جنبلاط، وقامت “القوّات” بالأمر نفسه، فإنّ فرص “التيّار” بكسب ثلاثة نوّاب مرتفعة جدًا، وفرص “القوّات” بكسب نائبين مرتفعة جدًا أيضًا. أمّا في حال قيام تحالف ثنائي بين “التيّار” و”القوّات” مع أطراف أخرى وازنة في الساحتين الدرزيّة والسنّية، فعندها يُمكن قلب الأمور رأسًا على عقب في كامل دائرة “الشوف-عاليه”.

في الختام، وفي الوقت الذي يؤكّد مُناصرو الأحزاب والقوى المسيحيّة الكبرى في “الجبل” حرصهم على الإستقرار وعلى أفضل العلاقات مع مُختلف الطوائف والمذاهب والأحزاب السياسيّة في دائرة “الشوف-عاليه”، يدعون إلى قيام إنتخابات ديمقراطيّة تُنصف الجميع وتعكس التمثيل الحقيقي لمُختلف القوى السياسيّة والحزبيّة في المنطقة. وهم يُناشدون بشكل خاص قياداتهم السياسيّة العليا إمّا الدُخول في تحالفات إنتخابيّة منصفة وعادلة ومن الندّ للندّ، وإمّا خوض المعركة الإنتخابيّة بكل ثقة، لأنّ كسب المقاعد المعروضة من قبل النائب جنبلاط مكفول حتى في أسوأ الإحتمالات و”السيناريوهات”، علمًا أنّ هذ القواعد واثقة من قدرتها على تحقيق نتائج أفضل بكثير من “الفُتات” المعروض، وهي لا تحتاج سوى لضوء أخضر من قياداتها!.

 

 

 

ناجي س. البستاني

 

 

 

شاهد أيضاً

مُواجهات غزّة ثبّتت مُعادلات قديمة-جديدة

من الإنتفاضة الفلسطينيّة الأولى إعتبارًا من العام 1987 مُرورًا بالإنتفاضة الثانية بين العامين 2000 و2005، …