نظرة لبنانية جديدة الى الدور الالماني فما الذي تغيّر؟

يحل الرئيس الالماني فرانك فالتر شتاينماير ضيفاً على لبنان اليوم، وهو الذي يزوره للمرة الاولى بصفته الرسمية الجديدة بعد ان ألِف التعاطي معه مراراً سابقة كوزير للخارجية الالمانية. الزيارة، وهي الاولى لرئيس الماني الى لبنان منذ اكثر من قرن من الزمن، لا تحمل دلالات سياسية بطبيعة الحال، لان السلطة الالمانية الفعلية هي في يد المستشار الالماني الذي تشغل منصبه حالياً انجيلا ميركل، ولكن للزيارة دلالات اخرى يمكن استشراف بعضها بشكل سريع.

من الطبيعي ان يكون شتاينماير قد ارجأ الزيارة التي كانت مقررة سابقاً، الى حين الاتفاق الالماني-الالماني على تشكيل حكومة طال الزمن في وضع اسسها بعد الخلافات الكبيرة التي سادت، كي تكون مصدر ارتياح في التعاطي ومحافظة على الصورة الخارجية لألمانيا.

مجيء الرئيس الالماني هو تأكيد على دور لبنان الجديد في المنطقة، وعلى ان النظرة اللبنانية الى المانيا تغيّرت بالفعل. فبالنسبة الى اللبنانيين، كانت المانيا الوسيط الناجح في عقد صفقات تبادل الاسرى مع الاسرائيليين، كما انها كانت بمثابة “منسّق” الاستخبارات مع لبنان نظراً الى نجاحها وعلاقاتها المتينة في هذا المجال مع الاوروبيين والاميركيين. اليوم، يختلف الوضع عما كان عليه، فحالياً لم يعد لبنان في موضع الخطر الدائم على صعيد الاسرى والمحتجزين، بعد ان نجح في التخلص من “داعش”، وما اظهره من نضج استخباراتي وامني، جعله يستغل علاقاته الاستخباراتية السابقة والتنسيق الكبير الذي كان يحصل معه ليتعلم الاعتماد على نفسه في التنفيذ، مع المحافظة طبعاً على اعلى درجات التنسيق والتبادل الاستخباراتي مع الدول المعنية.

وحالياً، ينظر لبنان الى المانيا بنظرة جديدة، فهي بالنسبة اليه، اضافة الى فرنسا بوابته الى اوروبا، كما ان المانيا تنظر اليه ايضاً بنظرة مغايرة، فتعتبر انه تمكن من اجتياز امتحان الارهاب والتحديات التي فرضها العدد الكبر من النازحين السوريين على ارضه، وانه يمكن ان يشكل نقطة مهمة لالمانيا في تثبيت موطىء قدم لها في الشرق الاوسط، بعد التفكك السوري وتعدد الدول المتواجدة في هذا البلد، حيث يبقى لبنان افضل من هذه الناحية.

امر آخر تراه المانيا في لبنان، وهو على ابواب انتاج النفط والغاز، ما يجعله مركزاً مهماً لجذب الاستثمارات واهتمام الشركات العالمية، ومنها طبعاً الالمانية التي تتوق لتثبت نفسها بين منافساتها من اوروبا على وجه الخصوص. كما يمكن لالمانيا ايضاً التعرف على طريقة تعاطي اللبنانيين مع مشكلة النازحين لتتكيّف مع مشكلة تواجهها هناك لناحية ازدياد عدد المهاجرين، مع مخاطر كثيرة تعترضها. ومن الطبيعي الا يكون الاهتمام الالماني من زاوية استخباراتيّة او امنية لانهما امران يسيطر عليهما الالمان دون عناء، ولا يمكن للبنان ان يعطي دروساً للالمان بهما، انما من منظار اجتماعي-عملي نظراً الى التقارب الجغرافي والاجتماعي الذي يربط اللبنانيين بالسوريين والذي، رغم انه تعرض لصعوبات كبيرة في السنوات الماضية، يمكن ان يكون باباً لادراك طريقة تفادي اي صراع عرقي مستقبلاً على الاراضي الالمانية.

من هنا، يمكن قراءة زيارة شتاينماير على انها مرحلة تعاط جديد بين المانيا ولبنان، من منظار تعاون سياسي-دبلوماسي-اجتماعي، بعد ان كان شبه محصور بالامن والاستخبارات، وقد تعقبه زيارات المانية الى لبنان واخرى لبنانية الى المانيا، من اجل توطيد هذا النوع الجديد من العلاقة من المنظار الحديث الذي تم وضعه بعد التطورات الدراماتيكية في المنطقة، وما عاناه لبنان من احداث اعادته الى موقع الاهتمام، ليس من موقع ضعف، انما من موقع قوّة، وهو ما ظهر بوضوح خلال زيارة وزير الخارجية جبران باسيل الى المانيا في جولته خلال “احتجاز” رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية، حيث كان موقف وزير الخارجية الالماني متقدماً على غيره من المواقف العربية والاوروبية.

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …