هل بدأ خصوم الحريري بتجهيز “البدلاء”؟!

“الأغلبية معنا، والبدلاء كثيرون”. قالها النائب جميل السيّد صراحةً قبل أيام في معرض تعليقه على التأخير في تأليف الحكومة، الذي ردّه بشكلٍ أو بآخر إلى تبنّي رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري مطالب كلّ من رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع ورئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” النائب السابق وليد جنبلاط.

وعلى الرغم من حرص السيد على تأكيد “استقلاليته” التي تعطيه “هامشاً” للتعبير والتحرك من دون قيود، كما يقول، فُسّر كلامه على أنّه قد يكون “رسالة” من الفريق الذي ينتمي إليه إلى رئيس تيار “المستقبل”، في ضوء بدئه بالتغريد خارج سرب “التسوية” التي أوصلته لرئاسة الحكومة، والعودة إلى أحضان حلفائه السابقين في “14 آذار”.

ولكن، سواء كان كلام السيد يعبّر عن نفسه أم عن فريقٍ واسعٍ رغب بتوجيه الرسالة من خلاله، وبمعزل عمّا إذا كان هذا الكلام قابلاً للترجمة الفوريّة أم لا، بحكم الموانع الدستورية المعروفة، عن أيّ “بدلاء” تحدّث الرجل؟ وهل فعلاً بدأ التفكير بهؤلاء في مكانٍ ما؟.

“البدلاء” ينتظرون

من حيث المبدأ، وفي الشكل قبل المضمون، يمكن القول إنّ “بدلاء” الحريري موجودون، والبعض منهم يتحيّن منذ سنوات طويلة أيّ فرصة للوصول إلى رئاسة الحكومة، التي يطمح إليها معظم السياسيين من الطائفة السنية، والمفارقة، أنّ بعض هؤلاء “الطامحين” قد يكونون من داخل “تيار المستقبل” لا خارجه، بل من الحلقة الضيّقة المحيطة بالرجل.

ولا شكّ أنّ قائمة “البدلاء” هذه اكتسبت مشروعيّة سياسيّة وشعبيّة بعد الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت وفق القانون النسبيّ، بعدما كان القانون الأكثريّ الذي يسمح لتيار “المستقبل” بشبه احتكارٍ للمقاعد السنّية، يحرم البعض من حقه في التمثيل. وإذا كان ثمّة في السابق من يستصعب تسمية مرشح راسب في الانتخابات لرئاسة الحكومة، فإنّ هذا المعيار انتفى اليوم، مع وصول شخصيات سنية وازنة إلى الندوة البرلمانية، هي بمجملها إما تقف موقف الخصم للحريري، أو بالحدّ الأدنى، تتموضع في خط الوسط.

ولا شكّ أيضاً أنّ هؤلاء “البدلاء” لن يفوّتوا أيّ فرصة تُسنَح لهم لـ”الانقلاب” على الحريري من أيّ مصدرٍ أتت، خصوصاً في ظلّ السياسة التي ينتهجها رئيس الحكومة المكلف إزاءهم، تارةً بالتنكّر لحقوقهم ومطالبهم بالتمثيل في حكومة وحدة وطنية على الرغم من أنّ المعايير التي يضعها لغيرهم يفترض أن تسري عليهم، وتارةً أخرى بالإيحاء بأنّهم ليسوا “معارضة سنية”، على الرغم من إدراك القاصي والداني أنّ ما يجمعهم هو عدم الانخراط في “تيار المستقبل” وعدم الموافقة على استبعادهم، ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان المطلوب منهم أن يصبحوا حزباً واحداً يقضي على تنوّعهم حتى يتمّ الاعتراف بحضورهم.

ماذا عن “النيّة”؟

“البدلاء” موجودون إذاً، بل يتحيّنون الفرصة التي يمكن أن تلوح لهم ليتلقفوها من دون تردّد. هي حقيقة مثبتة لا تحتاج للكثير من التفكير والتمحيص. ولكن، هل فعلاً يمكن لخصوم الحريري أن يرموا بورقة هؤلاء “البدلاء” اليوم؟! وفي حال توافرت هذه الإمكانية بشكلٍ أو بآخر، هل فعلاً يرغبون بذلك حتى يذهبوا إلى خطوات عمليّة؟.

الأكيد أولاً أنّ الإمكانية ليست مُطلَقة في الوقت الحاضر، وإن لم تكن مستحيلة. فما تحدّث عنه النائب جميل السيد من سحبٍ لتكليف الحريري من خلال عريضةٍ نيابيّة تُسلَّم إلى رئيس الجمهورية بدا “بدعة” لا تمتّ إلى الواقع بصلة، خصوصاً أنّ الدستور لم ينصّ على مثل هذه الحالة، أو على أيّ حالة أخرى يمكن بموجبها أن يسقط تكليف أيّ رئيس حكومة، سوى باعتذار الأخير من تلقاء نفسه. أكثر من ذلك، لم يحصر الدستور رئيس الحكومة المكلّف بأيّ مهلةٍ زمنيّة، بل تركها مفتوحة، ما يعطيه الحقّ بالبقاء أشهراً بل سنوات وهو يحاول تأليف الحكومة، من دون أن يفرض عليه أحد الاعتذار.

ولكن، لا شكّ أنّ “البدائل الدستورية” موجودة في حال رغبت “الأغلبية” فعلاً باستخدام ورقة “البدلاء”، ومن الخيارات التي يمكن أن تكون مطروحة إما تضييق السبل على الحريري وتعقيد مهمّته، وإما دفعه لتشكيل الحكومة التي يرغب، ولو كانت حكومة أمر واقع، ليتمّ سحب الثقة منه في ما بعد. إلا أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل فعلاً هناك من يرغب بسلوك مثل هذا النهج؟ وأيّ فوائد يمكن أن يحصّلها من ذلك؟.

إجماع على الحريري

توحي كلّ المعطيات أنّ لا شيء من هذا القبيل وارد، على الأقلّ حتى الآن، فشبه الإجماع الذي حصل عليه الحريري لتأليف الحكومة لا يزال ملتفاً حوله، رغم كلّ التعقيدات الحاصلة والتي لا يتحمّل مسؤوليتها الرجل، سوى ربما لناحية رفضه تمثيل المعارضة السنية، وهي عقدة لن تكون مستعصية على الحلّ، والتنازلات فيها شبه مضمونة من هنا أو هناك، متى حُلّت العقدتان الدرزية والمسيحية، بل هناك من يقول إنّ العقدة الدرزية نفسها لن تشكّل أيّ عائق أمام الحل، متى حُسِم توزيع المسيحي، الذي يشكّل أزمة الأزمات.

وإذا كان هناك من يغمز من قناة “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” تحديداً في رمي ورقة “البدلاء”، فإنّ الأجواء توحي بأنّ “التيار” و”الحزب” قد يكونان من أشدّ المتمسّكين اليوم ببقاء الرجل في موقعه، خصوصاً أنّهما من المنادين بحكومة وفاق وطني تضمن أوسع تمثيل للقوى التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، وهو ما يفرض أن يكون الحريري شخصياً رئيسها. وإذا كان “حزب الله” لم يسمّ الحريري أصلاً لرئاسة الحكومة، لاعتباراتٍ معروفة، فإنّ القاصي والداني يعرف أنّه كان ولا يزال عملياً مرشحه، خصوصاً أنّ “الحزب” ليس في وارد تكرار تجربة ما سُمّيت بـ”حكومة اللون الواحد” برئاسة نجيب ميقاتي، التي قد تكون من أسوأ التجارب بالنسبة إليه.

وفي المقابل، فإنّ الأكيد أيضاً أنّ “التيار” الذي رسم “شراكة” مع الحريري لا يريد فضّها بأيّ شكلٍ من الأشكال، ومهما تباعدت الرؤى، علماً أنّ رميه ورقة “البدلاء” سيقضي على شعار “العهد القوي” الذي يرفعه، وتأكيده على ضرورة أن يكون القوي في طائفته في الموقع الأقوى، وهو ما دفعه مثلاً إلى المصادقة على إعادة انتخاب نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي، على الرغم من كلّ الخلافات مع الأخير، والتي أخذ بعضها بعداً “شخصياً”، علماً أنّه مقتنع أنّ المشاكل التي تحول اليوم دون تأليف الحكومة ليست مرتبطة بشخص الحريري، وبالتالي فإنّ أيّ شخصٍ آخر يتمّ تكليفه لن يجد “عصا سحرية” تعينه على إنجاز المهمّة.

“رسالة” محدودة…

قد يكون الحديث عن “بدلاء” في هذه المرحلة من بنات أفكار النائب السيد، ولكن قد يكون أيضاً “رسالة” من الفريق الذي ينتمي إليه، إلا أنها تبقى “رسالة” محدودة لا تهدف إلى أكثر من إعادة الحريري إلى قواعده سالماً، ليس فقط لانتفاء القدرة دستورياً على ترجمتها، ولكن قبل ذلك لانتفاء المصلحة السياسية، وهنا بيت القصيد.

ومع أنّ هناك من يقول إنّ الحريري لم يستنفد بعد المهلة “المعقولة” التي تُمنَح عادةً لتشكيل الحكومات، فإنّ المطلوب اليوم، إذا كان السعي فعلاً لتشكيل حكومة توافق كما يقول الجميع، الذهاب لتسهيل التأليف وتقديم التنازلات، بدلاً من رفع الأسقف والتصعيد الذي لن يوصل إلى أيّ مكان…

شاهد أيضاً

الجزائر: التغيير آت لكن السؤال عن الموعد والكلفة!

لم يكن الكثيرون يتوقعون توسع رقعة الإحتجاجات في الجزائر، ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة …