هل تشكّل دعوة الهيئات الناخبة مبكراً رسالة مشفّرة للسعودية؟!

كان بإمكان وزير الداخلية نهاد المشنوق أن ينتظر حتى شهر شباط المقبل لدعوة الهيئات الناخبة لانتخاب أعضاء المجلس النيابي في السادس من أيار المقبل، باعتبار أنّ قانون الانتخاب ينصّ على وجوب أن تكون المهلة بين تاريخ نشر مرسوم الدعوة واجتماع الهيئات الناخبة تسعين يومًا على الاقل، وليس أكثر من ذلك.

وإذا كان الرجل استبق كلّ هذه المهل، وقرّر إعطاء إشارة الانطلاق للاستحقاق الانتخابي مبكرًا، وقبل نهاية العام، فإنّ علامات استفهامٍ كثيرة طُرِحت حول التزامن بين توقيعه مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وموقف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير العلني من القانون واعتباره أنّه أتى مفصّلاً على قياس “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، بل إنّه “فُرِض فرضًا” على رئيس الحكومة سعد الحريري.

فهل أراد الوزير المشنوق توجيه رسالةٍ ما للسعودية من خلال قراره هذا، أم أنّ الأمر مجرّد “صدفة”، لا أكثر ولا أقلّ؟ وأيّ اعتباراتٍ دفعت الوزير المشنوق لاتخاذ قراره هذا وفي هذا التوقيت بالتحديد؟.

 

جدية مطلوبة

في البداية، وعلى الرغم من أنّ قرار وزير الداخلية بتوقيع مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة أتى سابقاً لأوانه بالنسبة لكثيرين، إلا أنّه لم يأتِ مفاجئًا لأحدٍ بأيّ شكلٍ من الأشكال، خصوصًا أنّ مقرّبين من الوزير نهاد المشنوق كانوا قد قد سرّبوا قبل فترة أنّه لا ينوي انتظار اللحظة الأخيرة لدعوة الهيئات الناخبة.

ولعلّ الغاية الأساسيّة التي نشدها المشنوق من هذه الخطوة هو توجيه رسالة إيجابية للرأي العام، يتوخّى من خلالها طمأنته إلى أنّ الاستحقاق سيحصل في موعده المقرّر، بعد ثلاثة تمديدات برلمانية، وشائعات كثيرة حول الاستحقاق المقبل، في ظلّ ما كان يُحكى تارةً عن تقديم موعده، وتارةً عن تأجيله، ما جعل التشكيك بموعده سيّد الموقف.

وبهذه الخطوة، أراد المشنوق أيضًا إثبات جديته على المستوى الشخصي، وكذلك على مستوى وزارة الداخلية، في التعاطي مع الاستحقاق الانتخابي، خصوصًا بعدما أدّت الأزمة الأخيرة التي شهدتها البلاد، ما بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري ومن ثمّ العودة عنها، إلى شيوع أجواء رماديّة حول الاستحقاق، خصوصًا في ضوء الخلافات حول الآليات التطبيقية التي لم تُحسَم، وتشير كلّ المعطيات المتوافرة إلى أنّها سقطت عمليًا من البطاقة البيومترية إلى الاقتراع مكان السكن والتسجيل المسبق وغير ذلك.

ولعلّ إسقاط هذه الخيارات، التي لم تعد مُتاحة من الناحية العملية والتطبيقية، كان أحد أهمّ الدوافع التي جعلت وزير الداخلية يبادر إلى توقيع مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، والذي يُعتبَر، متى أصبح نافذاً ومكتملاً، أي بعد توقيع كلّ من رئيسي الجمهورية والحكومة ميشال عون وسعد الحريري عليه، نقطة الانطلاق الحقيقية والعملية للاستحقاق. ولا شكّ أنّ نشر المرسوم في الجريدة الرسمية سيكون بمثابة إطلاق العنان للحملات الانتخابية، التي يفترض أن تشتدّ حماوتها مع بداية العام، والتي لا يخفى على أحد أنّ مهلة الأشهر الثلاثة التي نصّ عليها القانون قد لا تكون كافية لها، خصوصًا في ضوء تعقيدات القانون الجديد، التي تحتّم بدورها تغييراتٍ جوهريّةً في آلية عمل الماكينات الانتخابية على أكثر من صعيد.

 

صدفة ولكن

أبعد من كلّ هذه الدوافع والأسباب، برز التزامن بين توقيع وزير الداخلية مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وتصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير حول قانون الانتخاب، تزامنٌ توحي كلّ المعطيات أنّه مجرّد صدفة بريئة لا تحمل الكثير من التفسيرات والتأويلات، إلا أنّ خلفه يكمن من دون أدنى شكّ السبب المباشر الأول الذي دفع وزير الداخلية للتوقيع على مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في هذه المرحلة.

فإذا كان مثل هذا المرسوم، رغم قوته المعنوية الإيجابية، لا يشكّل ضمانة كافية لاجراء الانتخابات في موعدها، خصوصًا أنّه سبق أن أرجئت انتخاباتٌ نيابية رغم دعوة الهيئات الناخبة، باعتبار أنّ أيّ قانون للتمديد يبطل تلقائياً هذه الدعوة، إلا أنّه في المقابل يكرّس قانون الانتخاب النسبيّ الحاليّ كإطارٍ قانونيّ تجرى الانتخابات النيابية المقبلة على أساسه، ويضع بالتالي حداً لكلّ السجالات حول قانون الانتخاب وآليّاته التطبيقية، خصوصًا أنّها بدأت تضيّق على الوزارة وتشوّش عملها، في حين أنّ العدّ العكسي للمهل الدستورية بدأ، وجلّ الخطوات المطلوبة من الوزارة تتطلب وضوحًا في القانون وحسمًا لتفاصيله لمرّة واحدة وأخيرة.

بمعنى آخر، فإنّ هذه الخطوة، وإن لم تكن بحدّ ذاتها رداً مباشراً على وزير الخارجية السعوديّ، كونها محضّرة سلفاً، تنهي عمليًا أيّ نقاشٍ حول قانون الانتخاب وإمكان تعديله في المرحلة الفاصلة عن موعد الانتخابات، وهو ما سبق أن طُرح في الاعلام من بعض الشخصيات السياسية، تمامًا كما أنّها تنهي أيضًا السجالات “الدونكيشوتية” التي شهدتها اللجنة الوزارية المكلّفة تطبيق قانون الانتخاب منذ ما قبل أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري. ولا شكّ أنّ وزارة الداخلية كانت بحاجة لهذا الحسم في صورة قانون الانتخاب النهائية وطريقة تطبيقه للشروع في الخطوات المطلوبة منها، والتي لا يمكن وضعها حيّز التنفيذ قبل ذلك، بما فيها حملات التثقيف الانتخابي التي يفترض أن تشكّل الأولوية في هذه المرحلة.

 

أكثر من عصفور بحجر!

بعيدًا عن التفسيرات والتأويلات السياسية، على كثرتها، قد يكون من المفيد والمنطقي أكثر وضع خطوة وزير الداخلية نهاد المشنوق التوقيع على مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في إطارها الموضوعيّ، باعتبار أنّ الرجل يحتاج إلى نضوج الصورة بشكلٍ حاسم للشروع في الإجراءات المطلوبة منه ومن وزارته بدون إبطاء.

أعطى المشنوق إشارة الانطلاق للتحضيرات للانتخابات، فضرب أكثر من عصفورٍ بحجر، ليتفرّغ الجميع لحملاتٍ انتخابيّة، لا شكّ أنّ حماوتها ستبلغ ذروتها سريعًا، خصوصًا أنّ القانون النسبي الجديد سيفرض معادلاتٍ جديدةً ومختلفة عن كلّ ما كان سائدًا في السابق…

شاهد أيضاً

يسرا محنوش وقصّة “أنا عمري”!

“أنا عمري” هو عنوان العمل الغنائي الجديد الذي طرحته النجمة يسرا محنوش خلال الأيام القليلة الماضية. …