هل يحضّر “حزب الله” لـ”انقلاب” بعد الانتخابات اللبنانية المقبلة؟!

مع بدء العدّ العكسي للانتخابات النيابية المفترضة في شهر أيار المقبل، في حال احترمت السلطات موعدها ولم تصادر إرادة الشعب من جديد، يُحكى الكثير، في الهمس وفي العلن، عن نتائجها المتوقّعة، وتداعيات ذلك على المشهد العام، بل تُنسَج “السيناريوهات” المتنوّعة لمرحلة ما بعد الانتخابات التي يذهب كثيرون لحدّ القول إنّها لن تشبه ما قبلها.

ولعلّ أبرز ما يُحكى ينطلق من كون ​قانون الانتخاب​ سيوفّر لـ”​حزب الله​” وحلفائه حصد أكثريّةٍ نيابيّةٍ مُطلقة في البرلمان المقبل، ستخوّله الهيمنة على البلاد والتحكّم بقرارها، وهو ما يبدو أنّ خصوم الحزب يتهيّبونه، لدرجة أنّ هناك من بدأ يروّج أنّ جهاتٍ خارجيّة لطالما كانت داعمة لإجراء الانتخابات باتت تطلب علنًا من “أصدقائها” في ​لبنان​ فعل “أيّ شيء” لمنع حدوث هذا “السيناريو”، ولو كان “أيّ شيء” يعني الإطاحة بالانتخابات.

إزاء ذلك، تُطرَح الكثير من علامات الاستفهام، فهل مثل هذه المخاوف مشروعة ومبرّرة؟ وهل يحضّر “حزب الله” لـ”انقلابٍ” بعد الانتخابات؟ وإذا كان ذلك صحيحًا، هل يستطيع أصلاً تنفيذه، في ظلّ الخصوصيّة اللبنانيّة المعروفة؟!

 

الكلّ خائف…

بدايةً، لا شكّ أنّ الشائعات التي يكثر تداولها حول الانتخابات ومصيرها ونتائجها وتداعياتها، إن دلّت على شيء، فعلى خوف مختلف القوى السياسية منها، خصوصًا أنّها ستحصل في ظلّ قانونٍ جديدٍ غير مجرَّب، وهنا بيت القصيد. ولعلّ الخشية من القانون الجديد الذي وُضِع على عجل، حين كانت عين النواب على تبرير تمديدٍ جديدٍ لولايتهم لا أكثر، تتفوّق على كلّ ما عداها، خصوصًا أنّ القانون يقوم على النسبية للمرّة الأولى في تاريخ لبنان، وإن شُوّهت بتعقيدات الصوت التفضيلي والحاصل الانتخابي وما شابههما، بعدما اعتاد نواب الأمّة على الأنظمة الأكثرية التي تشوّه التمثيل وتجعلهم زعماء طوائف، وحُكّامًا مُطلَقين من دون بدائل مُتاحة.

وعلى الرغم من أنّ كلّ المعطيات تؤكد أنّ “حزب الله” سيكون المستفيد الأول من القانون النسبيّ والرابح الأكبر بموجبه، إلا أنّه قد لا يكون دقيقًا القول إنّ الخوف الجماعيّ من الانتخابات لا ينسحب عليه، علمًا أنّ النسبيّة التي كان الحزب يطالب بها منذ زمن مختلفة كليًا عن تلك التي اعتُمِدت في نهاية المطاف، وخصوصًا لناحية تقسيمات الدوائر وأحجامها الصغيرة والمتوسطة إلى حدّ كبير، في حين أنّ ما كان يطالب به الحزب هو جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، والأمران مختلفان بشكلٍ كبيرٍ.

ولذلك، فإنّ الحزب لا يعتبر أنّ المعركة ستكون “نزهة” بالنسبة له، كما يشاع، ولعلّ “التحدّي” الأبرز الذي سيواجهه للمرّة الأولى أيضًا هو احتمال “خرقه” في مناطق لطالما كانت محسوبة عليه وعصيّة على الخرق، من ​البقاع​ إلى الجنوب، وهو يضع “استراتيجيّة” للحدّ من ذلك، بالتنسيق مع “​حركة أمل​”، التي يولي تحالفه معها الأولوية المطلقة لهذه الأسباب، ولو أتى ذلك على حساب سائر حلفائه، التقليديين منهم وغير التقليديين. وثمّة اعتقادٌ بأنّ الحزب سيعمل على رفع نسبة التصويت والاقبال على الانتخابات، وذلك لمنع “خصومه”، ولو اتّحدوا، من تحصيل الحاصل الانتخابي الذي يؤهّلهم لخرق اللوائح الكبرى.

إلا أنّ الحزب مطمئنٌ سلفًا، أنّه حتى ولو خسر مقعدًا في هذه الدائرة أو تلك، بفعل ​القانون الانتخابي​ النسبي، فإنّه قادر على “تعويض” خسارته في دوائر أخرى، تمّت فيها سابقاً مصادرة المقعد الشيعيّ من قبل كتلٍ أخرى، كما في ​بيروت​ وزحلة على سبيل المثال لا الحصر، وتعويله الأكبر سيكون على حلفائه، الذين سيُسمَح لهم بالدخول إلى الندوة البرلمانية، وكسر “الاحتكار” الذي كان يحرمهم من ذلك، ومن خلالهم فقط يمكن لـ”الانتصار” الذي يضعه الحزب نصب عينيه أن يتحقق.

 

لا انقلاب ولا من يحزنون…

هكذا، توحي المعطيات المتوافرة أنّ الانتخابات المقبلة قد توفّر الفرصة لـ”حزب الله”، مع حلفائه، الحصول على الأكثرية النيابيّة في البرلمان المقبل، وما قد يبرّر في مكانٍ ما توجّس شرائح سياسية واسعة من تداعيات ذلك على المشهد العام، بل على الهيكيليّة السياسيّة الحاليّة بشكلٍ كامل. ولكن، هل يحضّر “حزب الله” فعلاً لـ”انقلابٍ” بعد الانتخابات؟ وهل يمتلك أصلاً المقوّمات التي تسمح له بذلك؟.

في المبدأ، يمكن القول إنّ حصول انقلابٍ بعد الانتخابات يبقى، حتى إشعارٍ آخر على الأقلّ، أمرًا أكثر من مستبعَد، ليس فقط انطلاقاً ممّا يردّده مسؤولو “حزب الله”، وآخرهم أمينه العام ​السيد حسن نصرالله​، عن رفضهم عزل أيّ فريقٍ، وأنّهم لو أرادوا “الانقلاب” لفعلوا ذلك منذ زمن، سواء بعد تحرير الأراضي المحتلّة، أو بعد أحداث السابع من أيار مثلاً، وليس فقط أيضًا لأنّ الخائفين من مثل هذا الانقلاب هم أصلاً ممّن يتّهمون الحزب بممارسته من دون أيّ غطاءٍ نيابيّ وبرلمانيّ.

إلا أنّ مردّ استبعاد مثل هذا “الانقلاب” ينطلق بالدرجة الأولى من كون “حزب الله” وحلفاءه لا يمكن أن يشكّلوا كتلةً واحدةً، متجانسة ومتماسكة، في أيّ ظرفٍ من الظروف، بالنظر لتبايناتهم التي يُعتقد أنّها ستتعزّز بعد الانتخابات وليس العكس، خصوصًا في ظلّ المعركة على انتخابات الرئاسة، والتي يبدو أنّ ​الانتخابات النيابية​ فتحتها قبل أوانها. فإذا كان صحيحًا أنّ “حزب الله” سيستفيد من الأكثرية التي سيحصدها مع حلفائه على المستوى الاستراتيجيّ، إلا أنّ الأكيد أنّه لن يكون قادرًا على “صرفها” في الداخل، فالعلاقة بين “​التيار الوطني الحر​” و”حركة أمل” مثلاً لا تبدو قابلة للمعالجة، في ضوء “الكيمياء المفقودة” بين رئيس ​المجلس النيابي​ ​نبيه بري​ ورئيس “التيار الوطني الحر” الوزير ​جبران باسيل​، تمامًا كما تلك المفقودة بين رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ وبري، حتى أنّ كثيرين من أنصار “الحركة” باتوا يطالبون “الحزب” بإسقاط التفاهم مع “التيار”، ولا يخفون تفضيلهم “القوات” عليه.

وفي حين كان كثيرون يعوّلون على تطوّر إيجابيّ على خطّ العلاقة بين “الوطني الحر” و”​تيار المردة​”، بدا أنّ الخلاف بين “التيار” و”أمل” انعكس عليها سلبًا، وهو ما تجلى في الاطلالة التلفزيونية الأخيرة لرئيس تيار “المردة” ​سليمان فرنجية​، والتي صوّب فيها بقوة نحو باسيل، معلنًا عن افتراقٍ انتخابيّ وسياسيّ كبير، لا يبدو أنّ وساطات “الحزب” أو غيره ستنجح في التقليل من وقعه، خصوصًا مع حديث باسيل عن “معركة أحجام” ستفرزها الانتخابات النيابية المقبلة، وذلك كتمهيدٍ على ما يبدو للمعركة الرئاسية، التي يُقال إنّ باسيل وفرنجية سيخوضان فيها منافسة شرسة لخلافة الرئيس الحاليّ العماد ميشال عون، الذي سبق أن قال أصلاً إنّه يريد أن يضمن “خلافة قوية” لعهده، بعيدًا عن الأساليب التي كانت معتمدة سابقاً.

 

هل تحصل؟

وسط “معمعة” الشائعات والشائعات المضادة عن انقلابٍ هنا أو هنالك، تبقى الخشية الأكبر ممّا يُحكى في الهمس عن أنّ الخشية من فوز هذا أو ذاك قد تدفع المتضرّرين إلى الإطاحة بالانتخابات عن بكرة أبيها، وأنّ كلّ النقاشات الحاصلة اليوم ليست سوى تمهيد لذلك.

إزاء ذلك، لا يفترض أن يكون السؤال عمّا إذا كانت الانتخابات ستحصل في موعدها، بل عمّا إذا كان الانقلاب المستند لاستفتاء الشعب، لو صحّ، أخطر عمليًا من الانقلاب على الشعب ومصادرة حريته بالاختيار من أصلها…

 

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …