هل يملك جعجع فعلاً مفتاح الحل؟

ليس سراً ان القوات اللبنانية عمدت، منذ خروج رئيسها سمير جعجع من السجن، الى اعادة ترتيب صفوفها الداخلية، ونجحت في ذلك لتشاطر التيار الوطني الحر اليوم الساحة المسيحية، حيث حصدت في الانتخابات النيابية الاخيرة حصة مقبولة جداً وكرّست نفسها لاعباً مهماً على الصعيد المحلي والاقليمي.
تمكنت القوات من التقرّب كثيراً من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، وبنت معه شبكة علاقات قوية لم تهتز الا في الفترة الاخيرة بعد ان نسج الحريري مع التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون شبكة اقوى في غضون سنوات قليلة، وحتى “حزب الله” وحركة “امل” غير المرتبطين معها بالافكار والتوجهات السياسية، اعترفا بحيثيتها على الساحة المسيحية، وها هما يبديان مواقفهما على مشاركتها في الحكومة وفق ما تتفق عليه مع التيار الوطني الحر.
اليوم، وبعد الزيارة التي قام بها رئيس القوات سمير جعجع الى قصر بعبدا، يمكن ملاحظة سلسلة امور كلها تصبّ في خانة تقوية رصيد القوات المحلّي والاقليمي عموماً، وعلى الساحة المسيحيّة خصوصاً. فما قاله جعجع نفسه من بعبدا، أظهر بشكل واضح مدى ارتباطه الحالي بالسعوديّة، كونه لم ينفِ ان تكون قد تحدّثت مع الحريري حول “الحصّة القواتيّة”، ما يعني اعترافه بأن العلاقة القواتية-السعودية باتت اساسية في العلاقة الحريرية-السعودية حتى اشعار آخر، وان القوات باتت بالنسبة الى السعوديّة والولايات المتّحدة “حاجة” في الحكومة لمواجهة حزب الله على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
ولتقوية هذه الصورة، بدا جعجع بعد زيارة بعبدا، وكأنه “ام الصبي”، فحرص على التشديد على العلاقة بين القوات والتيار الوطني الحر، وعلى دعمه الكامل للعهد وللرئيس عون، وعلى جهده لاستيعاب المواقف المناهضة للقوات، وهي امور تصل اولاً في تعزيز الشعبية على الصعيد المسيحي ليظهر انه قادر على ابقاء مظلة التوافق بين القوتين المسيحيتين الاكبر، على عكس وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل. اضافة الى ذلك، تعمّد جعجع تمرير معلومات وايحاءات بأنه يعمل على حلّ العقد كلها التي تعرقل تشكيل الحكومة، بما فيها العقدة الدرزيّة، وقد اكتملت صورة هذه المعلومات باللقاء الذي انعقد منذ يومين بين الحريري ووزير الاعلام في حكومة تصريف الاعمال ملحم الرياشي، حيث شكّل انضمام النائب وائل ابو فاعور اليهما اكتمالاً للصورة التي رسمها رئيس القوات.
وبالتالي، فإن تم تشكيل الحكومة عاجلاً او تم آجلاً، لن يكون جعجع الا من المستفيدين، لان تشكيلها السريع سيوحي بأنه هو من ذلل العقبات كافة، وعمل على ازالة العوائق الواحدة تلو الآخرى من خلال اتفاقه مع الرئيس عون واتصالاته مع الاطراف الاخرى. اما في حال التأخير في التشكيل، فسيبدو انه كان يعمل بمفرده على ازالة الالغام، وقام بكل ما باستطاعته دون أن يلقى مساعدة من احد كي تصل الامور الى خواتيمها. اضافة الى ذلك، انضم جعجع بسرعة الى الطرف المناهض للفساد، ولم يمانع الاتفاق مع حزب الله ووزرائه في السعي الى مكافحة الفساد والهدر، ليعطي انطباعاً عاماً بأنه ملتزم بهذا المار اياً تكن الظروف والمعطيات.
تحرك جعجع ومواقفه، اوحت وكأنه يملك بالفعل مفاتيح الحل للمشكلة اللبنانية السائدة، ان لجهة تشكيل الحكومة، او لجهة الحفاظ على المصالحة المسيحيّة (او غالبيتها على اقل تقدير)، او لناحية التصدّي للفساد في الدولة، هي كلها أمور شعبية يتوق الناس لايجاد حل لها، فهل يملك جعجع حقاً مفاتيح الحل ام انها مجرّد تحرك سياسي يهدف الى تعزيز وتقوية رصيده ورصيد الحزب، في وقت يحتاج فيه الى ذلك محلياً واقليمياً ودولياً، وقد نشهد في المستقبل القريب دعماً خارجياً اقوى له في لعب دور اكثر شموليّة على الساحة اللبنانية.

شاهد أيضاً

حين ظنّ الحريري أنه يمون على عون وصولا ليغرف من “كيس” الرئيس!

تسيطر الدهشة على أي متابع لمسار تشكيل الحكومة منذ نحو 5 أشهر. فالمسلسل الحكومي أكثر …