هل ينجح “لبنان القوي” في “الامتحان الأول”؟!

يصرّ “التيار الوطني الحر” على اعتبار نفسه “الرابح الأكبر” في الانتخابات النيابية، منطلقاً في ذلك من تكتّلٍ هو الأكبر من حيث الحجم في المجلس النيابي، يجمعه مع الحلفاء الذين خاض معهم المعركة في مختلف الدوائر.

يسخر “التيار” ممّن يسعون إلى التقليل من حجم “الانتصار”، أو تصوير فوز “القوات” مثلاً وكأنّه أهمّ من فوزه، منطلقاً من معادلةٍ حسابيّةٍ بسيطةٍ تقول إنّ 29 نائباً هو أكثر من 15 نائباً، مهما حاول البعض التدوير أو التسويف.

لكنّ الغرق في هذه “المتاهات” لن يطول كثيراً، إذ انّ “الامتحان الأول” الذي سيواجهه “التيار” من خلال تكتل “لبنان القوي”، أقرب ممّا يمكن أن يتصوّر، وفي ضوئه فقط إما يُكرَم أو يُهان…

التاريخ يكرّر نفسه؟

برأي كثيرين، يشبه تكتل “لبنان القوي” اليوم تكتل “التغيير والإصلاح” عند انطلاقه قبل سنوات، إذ كان حجمه موازياً بشكلٍ أو بآخر لحجمه اليوم، قبل أن يتقلّص تدريجياً مع خروج العديد من الشخصيات والقوى منه، ويراهنون على أنّه سيواجه “المصير” نفسه، وربما بشكلٍ أسرع من السابق. ولعلّ هؤلاء ينطلقون من “التناقضات” غير الخفيّة على أحد بين العديد من مكوّنات التكتل الناشئ حديثاً، الذين وإن قرّبتهم الرغبة بدعم “العهد” والوقوف إلى جانبه، سيبتعدون تلقائياً عن بعضهم البعض، بسبب الخيارات السياسية والاستراتيجيّة عندما تدقّ ساعة المفاصل والاستحقاقات الأساسية التي لا بدّ أن تأتي عاجلاً أم آجلاً.

وإذا كانت تحالفات “المصلحة” الانتخابيّة برّرت “ائتلاف” هذه الشخصيّات والقوى السياسية في تجمّعٍ واحدٍ، تماماً كما أنّ “المصلحة” السياسيّة تبرّر اليوم “صمود” تحالفهم على اعتبار أنّ “في الاتحاد قوة”، فإنّ علامات استفهام كثيرة تُثار حول موقف هذا الائتلاف من القضايا الوطنية والاستراتيجية، خصوصاً أنّه يضمّ في صفوفه قوى تختلف حدّ النقيض في مقاربة الملفات الأساسيّة، ما يدفع إلى التساؤل مثلاً عمّا إذا كانت “حركة الاستقلال” ممثلةً بالنائب ميشال معوض تقبل أن يمثّلها “التيار”، بوصفه راعي “التكتل”، في مؤتمر الحوار الوطني حول الاستراتيجيّة الدفاعية، وهي التي ترفض أيّ “تشريع” لسلاح “حزب الله”، فيما يرتبط “التيار” بتحالف وثيق مع “الحزب”؟ وإلى أيّ مدى سيجد معوّض وغيره على غرار النائب المنتخب نعمة افرام، نفسه منسجماً في تكتّلٍ يضمّ في صفوفه شخصياتٍ مثل نائب رئيس المجلس النيابي السابق إيلي الفرزلي، والوزير طلال أرسلان، وغيرهما ممّن صُنّفوا في مرحلة الانتخابات بـ”الودائع السورية”؟!.

ولعلّ تجربة “تيار المردة” الأقرب سياسياً بأشواط من كلّ هذه القوى والشخصيات إلى “التيار”، والذي لم تفرّقه عنه الانتخابات الرئاسية فحسب، تدفع إلى الاعتقاد بأنّ مصير التكتل سيكون مشابهاً لسابقه، على اعتبار أنّ أيّ تكتّلٍ نيابيّ حتى يكون منتجاً يجب أن يكون أولاً وقبل كلّ شيء منسجماً، لأنّ ما كان يسري على الانتخابات من حيث التحالفات الغريبة التي كانت أقرب إلى خصومات لا يمكن أن يسري على ما بعدها، حتى لو أصرّ “التيار” على القول إنّ هذا “التكتل” صامدٌ لأنّ ما يجمعه أكبر ممّا يفرّقه، وهو “دعم العهد”، انطلاقاً من مقولة أنّ هذه الكتلة هي كتلة العهد، ونقطة على السطر…

من يقرّر؟!

بعيداً عن هذه السجالات والجدالات والتكهّنات بمصير التكتل وكيفية مواجهته للاستحقاقات الآتية، شيءٌ واحدٌ يبدو أكيداً، وهو أنّ الاستحقاق الأول، أو “الامتحان الأول”، بات على بُعد أيامٍ لا أكثر، وهو “امتحانٌ” قد تزيد صعوبته عن معظم “الامتحانات” التي سيواجهها “لبنان القوي” في المرحلة المقبلة.

هذا الامتحان هو ببساطة استحقاق رئاسة المجلس النيابي، الذي لا يبدو الموقف منه “محسوماً” حتى الساعة، ليس فقط داخل التكتل، بل حتى داخل “التيار الوطني الحر” نفسه، في ظلّ بروز أكثر من جناح، وبالتالي أكثر من وجهة نظر حول كيفية مقاربته. فإذا كان كثيرون يردّدون أنّ “التيار” يرفض إعطاء “شيك على بياض” لرئيس المجلس النيابي نبيه بري، وهو يسعى لـ”الثأر” منه على خلفيّة عدم انتخابه للعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وبالتالي فهو لن يمنحه أصواته، وهو ما ألمح إليه وزير الخارجيّة جبران باسيل منذ ما قبل الانتخابات النيابية، يعتبر قسمٌ داخل “التيار” بأنّ لا لزوم لمثل هذه المعركة، خصوصاً أنّها محسومة سلفاً لبري الذي يمتلك الأكثرية النيابية الداعمة له، والذي سلّف “التيار” موقفاً بقوله إنه من يحدّد هوية نائب رئيس المجلس، كما أن لا وجود لمرشح “بديل” عنه في ظلّ اكتساح ثنائي “حزب الله” و”حركة أمل” للمقاعد الشيعية، ولو أنّ هناك من يردّ على هذا المنطق بالقول إن معركة رئاسة الجمهورية كانت محسومة أيضاً لعون، ومع ذلك أصرّ بري على حجب أصوات كتلته النيابية عنه.

إزاء ذلك، أيّ قرار يمكن أن يتّخذه “التكتل” في نهاية المطاف؟ وإلى أيّ مدى يمكن القول إنّ جميع أعضائه، على اختلاف ميولهم ومشاربهم، سيلتزمون به؟ قد يكون ذلك من الصعب بمكان، إذ ثمّة من يقول إنّه أياً كان قرار “التكتل” النهائي، سيكون هناك داخله من “يخرقه”. فعلى سبيل المثال، إذا قضى القرار بعدم التصويت لبري، سيكون من الطبيعي ألاّ يلتزم به الكثير من “غير المحازبين” على غرار الفرزلي بطبيعة الحال، بل ثمّة من يقول إنّ “المحازبين” أو “شبه المحازبين” قد يخرقونه أيضاً، مثل العميد شامل روكز، أو حتى الوزير السابق الياس بو صعب. وفي المقابل، إذا قرّر التكتل منح أصواته لبري، فثمّة من سيخرقه أيضاً، ومن هؤلاء مثلاً النائب زياد أسود الذي استبق قرار تكتله بالإعلان أنه لن يمنح رئيس المجلس صوته، بعدما تحوّلت المعركة معه إلى “شخصية” انطلاقاً من انتخابات جزين.

عيّنة فقط…

لن يكون انقسام تكتل “لبنان القوي” على رئاسة المجلس النيابي إعلاناً لانتهائه بطبيعة الحال، باعتبار أنّ التكتل يجمع شخصيات مختلفة الانتماءات، ليست بالضرورة ذائبة ببعضها البعض. إلا أنّ الواقع أنّه سيكون “نموذجاً” أو “عيّنة” عن عدم قدرة التكتل على الخروج بمواقف وقرارات موحّدة، وهو ما يمكن أن يتكرّر عند كلّ الاستحقاقات، مهما صغر أو كبر حجمها.

وفي مطلق الأحوال، ثمّة من يقول إنّ “امتحاناً” ثانياً موازياً للأول يواجهه “التيار” أيضاً، وبوتيرة أقوى، وهو معركة نيابة رئاسة المجلس، والتي يكثر “الطامحون” إليها داخل “التكتل” قبل خارجه، وعلى رأسهم الفرزلي وبوصعب، بل ثمّة من يتحدّث عن مرشح ثالث متروك للحظات الأخيرة…

 

 

حسين عاصي

 

شاهد أيضاً

هادي حبيش فشل في تجميل صورته الميليشياويَّة بعد اعتدائه على القاضية غادة عون

   لم ينجح هادي حبيش النَّائب في مُؤْتمره الصِّحافيِّ قبل ظُهر الأَحد، في محو الصُّورة …