واشنطن تُسقط طهران وانقره بضربات إقتصادية؟

عجزت الولايات المتحدة الأميركية عن “تغيير سلوك إيران”. ماذا يعني تغيير السلوك؟ بكل بساطة، لا يعني فقط تبديل التعامل مع الأميركيين، لا بل، ضرب الأسس التي تقوم عليها الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وخصوصا تجاه القضية المركزية لديها، أي فلسطين. الفارق بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأسلافه، أنه يستخدم السلاح الاقتصادي-المالي، للاستفادة منه على وجهين: ضرب اقتصادات الدول التي يستهدفها، وتعزيز اقتصاد الولايات المتحدة، بالمقابل. بينما كانت الادارات الأميركية السابقة، تعتمد على التهويل العسكري، الذي يثبّت الانظمة، فتلتفّ حولها شعوبها، جراء التهديدات الوجودية، بينما الشعوب نفسها، تثور على التراجع الاقتصادي في بلادها، الذي يطال المواطن بيومياته ولقمة عيشه.

قامت واشنطن بجملة تسديدات طالت التومان في ايران. لم يقتصر الامر هنا، بل كان الروبل الروسي، والليرة التركية في عين الاستهداف الاميركي، فهوت عملة الاتراك سريعا بعد تراجع عملة الإيرانيين تدريجياً. فما هو سر الاستهداف الأميركي للثلاثي؟

يقول المراقبون أن للسقوط اسباباً داخلية في كل من تلك الدول الثلاث، تعود الى سوء التدبير، كما في تركيا التي يصل فيها حجم المديونيّة الى مستوى عال. لكن الأخطر هو انها لا تزال تضع نفسها في شرنقة المنظومة الرأسمالية الغربية.

فهل حاولت الدول الثلاث ابتداع منظومة سياسية-اقتصادية تفكّ عنها أسر الدولار و”السويفت”؟.
يوحي التوافق الأميركي الداخلي على تنفيذ تلك الضربات، بين البيت الابيض والمؤسسة العميقة -رغم خلافاتهما- أن هناك مخاوف أميركية جدّية من موسكو وطهران وانقره.

فالعقوبات بحق روسيا، تأتي بسبب علاقاتها مع كل من ايران وتركيا، والصين وكوريا الشمالية.

والضربات المالية لتركيا، بسبب أدوارها مع إيران وروسيا. والاستهداف لإيران، بسبب العلاقات مع تركيا وروسيا والصين، والعداء لإسرائيل.

صحيح ان ترامب نظّم علاقات بلاده مع الروس حول توزيع النفوذ في سوريا ومحيطها، لكن ذلك لا يعني للأميركيين التفرج على التمدّد الروسي الاقتصادي تحديدا، في العالم على حساب الدور الاقتصادي الأميركي. الادارة الأميركية التي تركّز على الاقتصاد عنوانا اساسيا للسياسة الأميركية، تعتبر ان الترويكا: روسيا-تركيا-ايران، تشكل استهدافا اقتصاديا للمصالح الأميركية، خصوصا ان الثلاثي يتعاون بالجملة والمفرق مع الصين.

اما في الأسباب السياسية، يقول الباحث العربي كمال الطويل: إن تركيا متواطئة مع روسيا على العبث بالناتو من داخله، ومتفاهمة مع ايران على أن تعود لتشكل ريئتها ضد العقوبات (وتصرّ على الاحتفاظ بإيران مورّداً لنصف استهلاكها النفطي)، ومتصدّرة بالدبلوماسية والاختراق المقدسي لاسرائيل. تحتاج من واشنطن (ومنذ عشيّة انقلاب تموز ٢٠١٦ الفاشل) إلى تصعيد العداء نحوها سرياً، بستار ودٍ علني.

امّا روسيا التي لم ترضَ بإغراق سوق النفط، أخذاً من درب إيران، بل تخطط لاستثمارٍ في نفطها بقيمة ٥٠ بليون دولار، فتُشهر رفضها لمطلب ترامب، فيشعر  الاخير بلزوم أن يردّ. ثم هي تحيك المكائد في نسج الناتو العميق، سواء مع الترك أو الهنغار، أو الصرب. والأهم ان روسيا لم تبتعد، كما يريد ترامب منها، عن الصين، لا بل، لم تقم بأي تليين لموقف الزعيم الكوري الشمالي، إزاء الملف النووي.

يضيف الباحث الطويل، أن ايران جمعت مجد أن تكون الامتداد الغرب-آسيوي للصين، مع كونها قوة إعاقة في الشرق لاسرائيل: عليها، عندهم، أن تنسحب من “الشام”، بما يعنيه ذلك من فقدانها نصف وزنها النوعي في الاقليم او يزيد، وبما يفتحه من دروب صراع توجهات وسلطة تبدأ ولا تنتهي.

 وعلى هذا الاساس، يصبح التماسك الثلاثي الروسي-الايراني-التركي، ضروريا بينهم، ليس فقط للحفاظ على الروبل والتومان والليرة، بل للاحتفاظ بأدوار اقليمية مهمة. الأهم ان يبقى الدعم الصيني لتلك الدول اقتصاديا، كي لا تنجح واشنطن بضرب الثلاثي معا، واسقاط أنقره وطهران اولا، والتفرغ لموسكو، ما يعني اسقاط الحلف الخفي-المعلوم الذي تعتمد عليه الصين، لحماية دورها، وعدم الاذعان للنفوذ الأميركي الكامل.

عباس ضاهر

شاهد أيضاً

هل سيعود عناصر حزب الله من سوريا الى لبنان؟

ترك الكلام الذي اطلقه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في اطلالته الاخيرة، …